عماد حجاج: مغامرات أبو محجوب فاضح المستور

قيم هذا الموضوع: 
لا يوجد تقييمات
المصدر: 
جريدة الاخبار - لبنان
تاريخ النشر في المصدر: 
الاثنين, آب (اغسطس) 4, 2008
الكاتب: 
نوال العلي

 

في أرشيف صحيفة «الرأي» الأردنية، كان الجو حاراً، المروحة تدور في السقف بلا جدوى، تُحرك الغبار الذي يملأ الحجرة الضيقة. هناك موظّف مسنّ ومزعج يتحرك ويتكلم ويتنحنح طوال الوقت، وفي الزاوية الأخرى ثمة شاب متعرّق يرسم على ورقة.

في تلك الظروف البائسة، وذلك اليوم القائظ من 1993 ولد أبو محجوب بذقن مستطيل، وبذلة مخططة ولسان طويل طبعاً. كان عمره 40 عاماً حين سمعت صرخاته الأولى في الأرشيف، يومذاك قرر عماد حجاج أن يسميه «أبو محجوب»، تيمّناً باسم مطعم فلافل في عمّان. ولأنّ الدورة الثانية من الانتخابات النيابية على الأبواب، تفاءل عماد بولادته، فأبو محجوب سيكشف المحجوب ويفضح المستور.

وما زال رسام الكاريكاتور الأردني عماد حجّاج متفائلاً حتى اليوم! استقبلنا في مكتبه ضاحكاً، واستمر في الحديث عن حياة ابنه أبو محجوب، أم أنّه قال والده؟ ربما يكون الاثنين، فحجّاج استوحى هذه الشخصية الكاريكاتورية المحبطة والعدمية، الكوميدية والساخرة، الطويلة والنحيلة، من والده الذي لم يكن يملك سوى بذلة مخططة يرتديها طوال الوقت. فُصل والد عماد من الجيش الأردني مطلع الثمانينيات، هذه الحادثة جعلته يتحول إلى رب أسرة عاطل عن العمل، ومواطن يحمل كل تلك الصفات السوداوية القاسية.

تلك الفترة من حياة عائلة حجاج انقلبت جحيماً حقيقياً، زاد من بؤس الأسرة الفقيرة المقيمة في مخيم «الوحدات». حتى إنّ موهبة عماد الفنية قوبلت باستهجان ولامبالاة، وربما شملتها تلك النظرة الناقدة الساخرة للأب الذي توفي عام 2004.

يرسم عماد منذ طفولته، وهو المولود سنة النكسة، يعتبر ذلك بداية تراجيدية لحياته! في المدرسة، تلقى الفتى التشجيع والدعم والجوائز... مثلما تلقى حليب الأونروا وحبوب التغذية. وفي البيت أصبح طفلاً انطوائياً ذا موهبة مهمّشةٍ ومرفوضة، ظلت الأمور كذلك حتى القطيعة الكبيرة مع العائلة، بعد دخوله جامعة اليرموك (1986)، حيث وجد نفسه متورطاً في دراسة الفيزياء. حسناً! سينجح عماد في الفيزياء، بل سيتفوق فيها. لكنه في عام 1988 أحسّ فجأة بأن الاستمرار لم يعد ممكناً... كان كل يوم يتجول في كلية الفنون، تغريه اللوحات والمنحوتات، ويحسّ بالانتماء إلى هذا المكان. هكذا قرر القطيعة مع الفيزياء. تركها إلى غير رجعة، وكذلك فعلت عائلته التي قاطعت هذا الولد المندفع وراء مسّ من الجنون. أما الطلبة فاعتبروه مهرج الجامعة الذي ترك الفيزياء ليدرس الغرافيك. يا لها من حماقة!

رسْم الكاريكاتور، كان أول شقاوات عماد المحافظ المنعزل الطبع في بداياته، والذي انطلق ذات يوم على دروب الشغب والفن. خرج ولم يعد قط. «كنت أرسم وأتحالى بموهبتي لأجذب الصبايا»، النساء هنّ الجمهور الذي سعى حجّاج إليه، وكان يقضي لياليه مفكراً في ردود فعل الجميلات. إذ يرين رسومه في «صحافة اليرموك» صباح اليوم التالي: «ياما رسمت بنات حلوين... وياما بدأت علاقات برسم كاريكاتور» يتذكر حجاج ويشرد باسماً. تحوّلات كثيرة طرأت على شخصيته، بين المواقع المتناقضة. المتدين صار مهرّج الجامعة، ورسام الكاريكاتور الجريء صار محط أنظار الطلبة، والعاشق المحترف الذي بات فناناً يسارياً ملتزماً. التجربة الحزبية لم تطل كثيراً، أليس السياق الحزبي ضيقاً على فنان يرسم كاريكاتوراً سياسياً في الأساس؟ لم تؤثر تلك التجربة على فنّه، بيد أنّها أعادت صياغة تفكيره ونمط عيشه.

بعد تخرجه من الجامعة، التقى حجّاج الكاتب الساخر محمد طمّليه وأقام معه مدةً. أثّر هذا اللقاء كثيراً في مساره وأثراه، علّمه طمّليه الجمع بين الإبداع والسخرية والتخلّص من الخجل، وكان ظهوره الأول في الصحف الأسبوعية «آخر خبر» و«الرصيف» التي كان يحلم هو ورفاقه بأن تكون امتداداً لرصيف بيروت 82، فإذا بها تكون مشروعاً جميلاً وخاسراً بامتياز.

يوماً بعد آخر، أصبح توقيع حجّاج يثير الانتباه. وفي عام 1993 التحق بالعمل في صحيفة «الرأي» الرسمية والأكثر توزيعاً في الأردن. إنها التسعينيات التي عصفت بها أحداث سياسية أحبطت المثقفين. بعد حرب الخليج، انقطع حجّاج عن الرسم ستة أشهر: «حاسبت نفسي بعد الهزيمة، وجدت أنني ساهمت في خداع الجماهير وتشويش وعيهم، تركتهم يحلمون بالنصر. صعدنا بأحلامنا إلى السماء لتهوي بنا الأنظمة إلى الأرض». أدرك الفنان خطورة موقعه ودوره، فهو إن خُدع يخدع، وأعاد النظر بكل قناعاته، أعلن القطيعة مع «أبطاله» السابقين، أو بالأحرى الذين جعل منهم أبطالاً. أصبحت رسومه أكثر حدّة ونقداً. عمله في «الرأي» تزامن مع فترة حرجة؛ مفاوضات مدريد ثم اتفاقية وادي عربة (1994) التي أخذ منها موقفاً راديكالياً لا ينسجم مع توجه الصحيفة. هكذا وجد نفسه أمام خيارين: إمّا أن يبقى في موقعه ويصبح بوقاً سياسياً، وإما أن يصفق الباب خلفه ويلجأ إلى الصحافة الأسبوعية. وإذا بالحلّ في يد «أبو محجوب»: لقد هرب عماد من السياسي إلى الاجتماعي.

تعلّق الناس بشخصية أبو محجوب ونوادره، فهو مرّة موظف مرتشٍ لئيم، ومرة مواطن مسحوق وساذج، أو والد مستبد ومتسلّط، وربما عجوز متصابٍ. وزاد من جاذبية الكاريكاتور استخدام الألوان والغرافيك والحفر على الفيلم. ولم تكد التسعينيات تشرف على نهايتها، حتّى كان «أبو محجوب» قد أصبح نجماً شعبياً. صار لسان حال الناس، وراح يفصح عن مكنون صدورهم. هنا سيدفع عماد ثمن جرأته ونقده، إذ فصل بسبب رسم له عن قضية تلوث المياه الشهيرة.

ولم يكد ينقضي أسبوع على غيابه، حتّى طلبت منه «الرأي» أن يعود إلى مواقعه. لقد كان الرجل مكسباً تجارياً، وفناناً من المفيد والمربح أن يبقى تحت مظلتها كجريدة رسمية. هذه العودة المظفّرة جعلت «أبو محجوب» مُناكفاً حراً عنيداًً. فتجرّأ حجاج ورسم الوزراء، فرئيس الحكومة... ثم الملك عبد الله شخصيّاً في كاريكاتور «كاتالوج التخفي الملكي». الرسم لم يعجب كثيراً في دوائر السلطة، إذ رأى فيه بعضهم مسّاً بهيبة الملك الجديد. وبدأت «الرأي» بتحييد حجّاج، ثم تجاهله، فمضايقته، وحتى فصله قبل نهاية عام 2000... بحجّة رسم عادي جداً.

هكذا صار في المقلب الآخر: من فنّان محبوب إلى مشاغب مغضوب عليه... ووجد نفسه مفلساً وعاطلاً عن العمل. لا، لم تخرج تظاهرات تطالب بعودته، لم تقاطع الجماهير صحيفة «الرأي» كما قد يكون قد توهّم «أنا» الفنّان. سرعان ما نسيه الناس، وتوقف هاتفه عن الرنين.

وحين عاد أبو محجوب على صفحات الدستور، أصبح مواطناً «آدمياً» «يمشي الحيط الحيط»، ولا يزعج أحداً. وكان لا بد لحجّاج من أن يبحث لنفسه عن مورد يؤويه إن طردته الصحافة، فأسس شركة «أبو محجوب للإنتاج الفني»، معتمداً تصميم الغرافيك، والمشاركة في حملات التوعية. وعندما انطلقت جريدة «الغد» في عام 2004، استقطبته إليها بعدما أغرته بسقف عال جداً من الحرية. وفعلاً كان له ذلك... لفترة قصيرة طبعاً. كان يكفي أن تدور الرياح قليلاً، حتى ينخفض سقف الحريّة مجدداً مع تقلبات الجريدة. لكنّ عماد بقي في مكانه هذه المرّة: لقد تعلّم كيف يتكيّف مع الظروف، ويقول إنه راضٍ إجمالاً عن عمله. ونصدّقه.

ما زال بعض رسومه يُمنع طبعاً. و«كل رسم ممنوع له قصة وحسرة» مثل «آخر ما يراه الصرصور» أو «بلد للبيع»، وبعضها الآخر يجابه بتهمٍ كثيرةٍ، وصولاً إلى التكفير بعد كاريكاتور «رفع الدعم». لكن المنع، في زمن الاتصالات المتطوّرة، بات من وسائل الترويج والنجاح. الرسوم الملعونة تلقى تهافتاً على موقعه الإلكتروني، حيث تنشر تحت لوغو «أبو محجوب» الشهير مع الخفّ الوردي المشكوك بزهرة حمراء: «إنه خفّ أمي... كان والدي يرتديه أحياناً ويضطهدها به أيضاً».

 

New Jordan 11 Mens Sneakers Sale,Official New Jordan 11 Womens Online

معرض الصور