تاريخ الكاريكاتير: نظرة سريعة

كتبها: نيللي جرجس
قيم هذا الموضوع: 
Average: 4.3 (4 votes)

كنت و لا ازال اعتقد بقدرة الصورة على نقل الافكار بشكل اوضح و افضل من الكلمات، و قد يعود هذا لقدرة البعض على فهم الخطوط و تحليلها بشكل اسرع من فهم الكلمات، فهناك حوادث كثيرة في التاريخ تساعدنا على فهم قدرة الكاريكاتير مثلاً في التأثير ان لم نقل تغير الاحداث السياسية، و لكن لا احد يستطيع أن ينفي تأثيره على المزاج العام.
لكن منذ متى بدأ استعمال الكاريكاتير بشكله الذي نعرفه اليوم؟، و ما هو الكاريكاتير
هل هو رسم بخطوط اولية، ساخرة و متنافرة لصفات الشخص او استبدال الوجوه باشكال غريبة او باشكال حيوانات؟
اذا قبلنا بذلك فهل ما نجده على حيطان المعابد الفرعونية و اواني النبيذ اليونانية و الاختام السومرية هو كاريكاتير؟
هناك سؤال اخر قبل محاولة معرفة متى كان اول رسم للكاريكاتير على الاطلاق؟
هنا محاولة سريعة لسبر تاريخ الكاريكاتير على ان احاول في تدوينات قادمة التركيز على كل تجربة على حدا
بحسب الدراسات التاريخية فإن الكاريكاتير قد صاحب الانسان منذ فجر الحضارات حيث يُظهر بورجراد في تقريره عام 1889 لجميعية العلوم الانسانية في باريس نحوتا فرعونية لحيوانات تقوم باعمال حربية او حتى طقوس دينية لما شرحه وقتها بورجراد بأنه سخرية من انفصال أثيوبيا عن الحكم الفرعوني المصري
ايضا يتم اعتبار بعض الجرافيتي على اسوار بومبي او النقوش على الاواني اليونانية نوعا من الكاريكاتير في شكله البدائي كما ان سقراط و غيره كان قد ذكر بوزون Pauson برسومه الساخرة
في القرون الوسطى كان من الرائج استعمال الرسوم المطبوعة على الورق بواسطة قوالب خشبية gravure لتقديم مشهد عن الحياة السياسية، الدينية اوالاجتماعية و شاع هذا الاستعمال مع رواج المطبعة
لكن استخدام الرسوم خارج إطار الكتب ظهر ذلك جليا بعد حركة مارتان لوثر الاصلاحية عام 1592 و التي شجعت على معارضة الانظمة الحاكمة الكنسية و هكذا انتشرت في الشوارع الكتيبات صغيرة Pamphlet المؤلفة من صفحات قليلة تحتوي نصوص ناقدة او اغاني ثورية و كلها مرفقة برسوم لشخوص النظام السياسي او الكنسي و كلها بدون ذكر اسم مؤلفيها
جدير بالذكر في هذا الصدد حملة الكاريكاتير الشرسة التي تعرض لها  الملك الفرنسي هنري الثالث Henry de Valois  قبل مقتله في 1589على يد راهب. حيث انتشرت رسوم تصوره على أنه قاتل، دموي و مُغتصب.
رغم ذلك لم يكن يُطلق على هذه الرسوم اي اسم خاص بها و علينا ان ننتظر حتى سنة 1646 عندما اصدر الفنان البولوني انيبال كاراش  كتابا مصورا و ذكر فيه كلمتا كاريكاتير و أحمال caricature et charge
ثم اعيد استعمال كلمة كاريكاتير في كتاب الذكريات لأرجنسون في 1740
 كلمة كاريكاتير تعود للاصل اللاتيني caricare التي تعني حمّل charger والتي بدورها مأخوذة من كلمة care التي كانت تستعمل عند الشعب الغالي (شمال فرنسا الحالية) و تعني عربة و لكنها كانت تُطلق ايضا على التماثيل الصغيرة الساخرة و بالتالي ففي اللغة الفرنسية يتم استعمال كلمة حمّل للتعبير عن الاتهام ضد شخص.
و نتيجة لذلك ارتبطت كلمة كاريكاتير بالرسوم الساخرة المتهِمة و التي تقوم على المعالجة المشوهة المغايرة للشكل و كانت الاجواء المصاحبة للثورة الفرنسية مثال واضح لانتشار الكاريكاتير و شعبيته و استخدامه بشكل سياسي، حيث تعرضت ماري انطوانيت لحملات شرسة قدمتها للعامة على انها عاهرة و مسرفة كما كانت الاحزاب و القوى السياسية المتنازعة سواء مع الملكية او ضدها تتراشق رسوم السخرية و الهزء لتصل الامور الى انه في عام 1793 قامت هيئة السلام الشعبي (اول هيئة يتم تشكليها فورا بعد الثورة) بالطلب بالاكثار من الرسوم و الكاريكاتير بهدف إيقاظ روح الشعب و إظهار سخافة أعداء الحرية و الجمهورية ...
و مع العودة المؤقتة لنظام الملكية في يوليو 1830-1848 احتل الكاريكاتير اخيرا موقعه الرسمي المعروف على صفحات الجرائد سواء كرسوم ساخرة تقدم فكرة بحد ذاتها او كرسوم مصاحبة لمقال او خبر.
هكذا اصبح الكاريكاتير و بشكل رسمي لغة سياسية يتم استعماله سواء لنقد الانظمة و التسلط كما يُستعمل للبروباجندا و اصبحت الازمات السياسية تتصف بازدهار الكاريكاتير و تنوع افكاره
 بقي ان اقول وصف كاريكاتير مختلطا بالكروتيسك grotesque وهي رسوم لاشخاص بمواصفات غريبة بغض النظر عن سخريتها او تقديم فكرة ما عنها و استمر هذا الخلط حتى عام 1950 حيث اعطي اخيرا وصف خاص به و هو رسم ساخر يستعمل التحولات الشكلية لتقديم فكرة او يكتفي بتضخيم الصفات الشكلية، كما يُظم الي ذلك كاريكاتير الموقف حيث ان مشهد حقيقة او خيالي يوضّح موقف او تصرفات مجموعة من الناس.
مصادر:
1- معرض افتراضي لاعمال فناني الكاريكاتير الفرنسيين : http://expositions.bnf.fr/daumier/index.htm
2- الكاريكاتير منذ اربعة الاف عام، دراسة لأوليفيه بورجراد، نشرة جمعية العلوم الانسانية، باريس، 1889