وداعا جلال الرفاعي

قيم هذا الموضوع: 
لا يوجد تقييمات
المصدر: 
جريدة الدستور - الأردن
تاريخ النشر في المصدر: 
الاثنين, آيار (مايو) 21, 2012

لم أتوقع أن يكون رحيلك بهذه السرعة، وعلى هذه الشاكلة، تنام فلا تصحو، وقد اعتدت أن تصحو باكرا، لتوجه ريشتك المرهفة البارعة نحو قلب العالم كل صباح. فهل سئمت القبح الكثير الذي يكسو وجه الكرة: إسرائيل التي سرقت فلسطين وتقول إنها تخاف أن يخرج آلاف السجناء الفلسطينيين فيكون مستقبلها مهددا؟ الطغاة الذين يتشبثون بالجلوس فوق صدور مئات ملايين العرب؟ العالم المتقدم الذي لا يشبع ويكيل بمكيالين فيحمي (دولة إسرائيل) الغاشمة ويمنعك ويمنعنا جميعا من الوصول إلى أرض فلسطين التي صارت بعيدة بعيدة، وهي أقرب إلينا من حبل الوريد؟ من يسرقون أحلامنا كل يوم؟ الجشعون الذين يضطهدون الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة ويقيمون لهم بمال أهلهم وذويهم معسكرات اعتقال؟

هل تعبت من القبح الذي يغمر كل شيء في حياتنا، فقررت الرحيل دون استئذان، دون أن ينوء جسدك تحت ثقل المرض؟ قلت لنفسك: حلقي في سماوات بيضاء لا قبح فيها ولا ظلم ولا غبن؟ لقد رحلت يا صديقي جلال وتركت أصدقاءك أيتاما في هذا العالم اللئيم الذي يقسو على الفقراء والمساكين والضعفاء، على الفنانين والمرهفين الذين يعذبهم أن يشهدوا كل يوم موتا جديدا، دما كثيرا يسيل على سطح الكرة.

صداقة ربع قرن من الزمن علمتني أيّ شخص مرهف كنتَ، كما علمتني أن الأشخاص النبلاء يمرون على هذا العالم دون أن يثيروا جلبة أو ضجة. الغضب الذي كان يسكنك على بؤس العالم، وبؤس العرب المعاصرين تخصيصا، والظلم التاريخي الذي تعرضت له فلسطين والفلسطينيون، كان يترجم إلى فن، إلى رسوم كاريكاتيرية تتمتع بجماليات الرسم والتصوير الفني والتناسب الجمالي الأخاذ، لكنها في الوقت نفسه كانت تسعى إلى توجيه نقد حاد للمظاهر التي تلتقطها من حياتنا السياسية والاجتماعية واليومية. كانت غايتك هي تقديم فن كاريكاتيري رفيع المستوى، ومن شاهد معارضك واطلع على كتبك، خصوصا تلك التي تضم رسوماتك الملونة، يعرف أنك قد تكون ضللت طريقك إلى فن الكاريكاتير. فأنت رسام ومصور فني بارع، وما يجعل رسومك مختلفة هو المبالغة وتغير النسب الفنية بين العناصر، لينتقل الرسم لديك إلى عالم الكاريكاتير المؤثر الفاعل الذي يقول الكثير في خطوط قليلة.

كنت رساما مميزا أولا وفنان كاريكاتير ثانيا. لكنك كرست حياتك لرسم الكاريكاتير، وأسست لهذا الفن في الأردن حتى صار لك أتباع ومريدون وتلاميذ، وصار تلاميذك رسامين مشهورين فشعرت بالفرح والغبطة لأن عملك الدؤوب أثمر، وصار هذا الفن الصعب شائعا في صحافتنا ضروريا لا يستغنى عنه. أتذكر حماسك لاكتشاف المواهب وتقديمها على صفحات الدستور، وبحثك الدائب عن هذه المواهب التي صار بعضها زميلا لك في رابطة رسامي الكاريكاتير التي كرست لها سنواتك الأخيرة. أيامك كلها كانت للفن. لم تسع وراء المال أو الجاه والشهرة، وخجلك النبيل كان يمنعك من السعي لتقديم ذاتك في هذا العالم الذي يطحن الأبرياء والأنقياء والجميلين من أمثالك. لكنك رغم ذلك ستظل حاضرا في قلوب من أحبوك من القراء ومتابعي فن الكاريكاتير، ومن شهدوا معارضك، ومن عرفوك على مدار عمرك الذي ناءت به أعباء الحياة الذميمة التي تغتال الفن والفنانين.

سيتذكرك أصدقاؤك الكثيرون في جهات الأرض الأربع، من عرفوا رسوماتك، ومن عرفوا شخصك وخصالك النبيلة. وداعا صديقي جلال.

معرض الصور