علي فرزات و السخرية النقادة

قيم هذا الموضوع: 
لا يوجد تقييمات
المصدر: 
جريدة البشاير - مصر
تاريخ النشر في المصدر: 
الأحد, آيار (مايو) 4, 2014
أمام قِدْر حساءٍ ضخم، يقف قائد عسكري بشاربين كثيفين يسكب منه حساء لجنودٍ ممزقي الثياب، معفري الأوجه، يتتالون أمامه في طابور طويل. ولم يكن ما يسكبه إلا أوسمة زاهية الألوان، مختلفة المراتب والطبقات، تثير بتنافرها الشديد ضحك الناظر. ضحكٌ يقولُ المعنى.
كان ذلك رسماً تضمنته لوحة في معرض خصِّص أواخر ثمانينات القرن الماضي لفن الكاريكاتير بباريس. وكان الرسّام، هو علي فرزات، فنان السخرية النقادة.
اعتبر سفير ديكتاتور العراق أن المعنيّ بهذه اللوحة هو سيّده في بغداد وطلب رسمياً انتزاع اللوحة من المعرض وتسريح من دعا هذا الفنان للمشاركة، فما كان من فناني الكاريكاتير الفرنسيين والعرب إلا أن جاؤوا للتوقيع بأسمائهم على هذه اللوحة، لا تضامناً مع الفنان فحسب، بل كذلك دفاعاً عن فنٍّ يعيد الطغاة إلى مكانهم الطبيعي بين حثالة البشرية.
ذلك أن الطغاة أجلاف، أو إن شئتم “أجيلاست” كما “فرْنسَ” الكاتب الفرنسي الساخر رابليه، في النصف الأول من القرن السادس عشر، هذه الكلمة العربية.
والأجلاف/ الأجيلاست هم من يظنون أنهم وحدهم، من يمتلك الحقيقة المطلقة، ولذلك فهم لا يطيقون ضحكاً، ولا سخرية، ولا فكاهة تذكرهم بما هم عليه من بؤس فكري وفقر روحي.
رسوم علي فرزات تقول عذابات المعذبين وتستهدف بالسخرية اللاذعة مُعذبيهم
أدرك الفنان السوري علي فرزات، ابن حماة، المدينة الشهيدة، ذلك، بموهبته وبفطرته منذ البداية، فاتخذ من السخرية وسيلة يلقي بها الضوء على عيوب مجتمعاتنا الرازحة تحت وطأة الاستبداد والعبودية، وعلى ما فيها من مثالب سياسية وأخلاقية، وعلى ما يشكو منه الإنسان العربي في حياته اليومية من بؤس مادي وروحي، فبدا وكأنه يجتاز الحدود، كلّ الحدود.
كان سبيله إلى ذلك لغة لا تحتاج إلى ترجمة ولا إلى معادلات لغوية أخرى كي تُفهَمَ من أقصى الأرض إلى أقصاها: الرسم. والرسم الساخر تحديداً. لغة تقول أوجاع الإنسان وعذاباته في مجتمعات هيمن عليها الطغاة وساموا أهلها سوء العبودية وعذاباتها.
ولذلك كان علي فرزات هدفهم بقدر ما كان كشّافهم. حين أرادوا إعدام لوحته استحالت ملكا للجميع، وما كان لهم وقد أرادوا شراءه إلا أن يقرُّوا بضعف حيلتهم. إذ عبرت رسومه على الرغم منهم، وبسببهم أيضاً، حدود الرقابة والتحريم والمنع إلى فضاء حرية بلا حدود، تطال الجميع من مشرق الأرض إلى مغربها، وتمسّ خصوصاً المعذبين في الأرض، كلَّ الأرض، إذ أنّها تقول عذاباتهم وتستهدف بالسخرية اللاذعة مُعذبيهم.
وكان آخر ما أرادوه أن يجعلوا منه عبرة للآخرين ممّن سولت لهم أنفسهم قدرتهم على النقد والسخرية حين حاولوا سحق أصابعه، أداة عمله. لكن أصابعه ولدت من جديد، كالعنقاء، من رمادها. ذلك أن علي فرزات لا يرسم بأصابعه كما ظنَّ الطاغية وعبيده، بل بكيانه كله.
ولأنه إذ يقول وجع السوري، يقول في الوقت نفسه وبالعنفوان اللاذع نفسه، وجع الإنسان حيثما كان، وكائناً من كان، وما يزال، مثلما كان على الدوام، هدفا للطغاة، كلّ الطغاة.
لأن سخريته كانت ولا تزال سخرية نقّادة لا مجانية. تلك التي، وهي تركز على المعالم غير المتناسقة في جسم أو في وجه أو في وضع أو في موقف إنساني، تثير الضحك وتستدعي في الوقت نفسه الوعي ببؤس الإنسان حين يكون في أوج عظمته أو قمة طغيانه أو خواء روحه.
وهي عبر الرسم خصوصاً تستهدف من حيث استخدامها الفكاهة أو استغلالها مفارقات الشرط الإنساني، تحقيق غايات عدة في آن واحد ليس أقلها تذكير الإنسان، كائناً من كان، بشرطه الأساسي، ووضع الإصبع على الجرْح أو تحديد مكمن الوجع.
من حماة ، إلى دمشق، إلى أرجاء المعمورة، يسعى علي فرزات بريشته كي يقول آلام زمنه وآماله، كي يُولد بلد سكن أعماق كيانه، ثانية، كالعنقاء، من جديد. 

معرض الصور