الكاريكاتير "ترمومتر" الحرية

قيم هذا الموضوع: 
لا يوجد تقييمات
المصدر: 
دار الفكر
تاريخ النشر في المصدر: 
السبت, حزيران (يونيو) 9, 2012

 

احتل التعبير بالصورة حيزاً كبيراً في أحداث الربيع العربي، والملاحظ وجود كم ضخم من الرسوم الكاريكاتيرية الراصدة لتلك الأحداث في صحف ووكالات أنباء العالم كافة، والملاحظ مرة ثانية أن هذا الفن، والكاريكاتير، كان ولا يزال غائباً عن أفق التنظير والنقد وربما المتابعة والتحليل . في التحقيق التالي يرجع البعض هذه الظاهرة إلى تراجع الحالة النقدية في راهن الثقافة العربية، ويذهب آخرون إلى طبيعة الكاريكاتير “العصية” على النقد، ويؤكد فريق ثالث أننا ننظر إلى هذا الفن باعتباره وسيلة للضحك والترفيه .

أكد الفنان “جمعة فرحات” أن مسألة النقد في الكاريكاتير صعبة، لأن هذا الفن مرتبط بذاتية الإنسان، ولكل رسام أسلوبه الخاص، الذي يميزه عن غيره من الرسامين، وهو ما يحرم الناقد الفني من الرصد والتتبع، هل من المعقول أن ينقد أسلوباً، تميز به الرسام، ولا يريد أن يغيره، لأن اقتراب أسلوبه من أسلوب آخر مرفوض، في عالم الكاريكاتير، بل يعد عيباً خطيرا، فأي رسام جديد يقلد رساماً آخر نعتبره خارج إطار رسامي الكاريكاتير المحترفين .

أشار فرحات إلى أن مقاييس نجاح الرسام لا تعتمد على مفردات الكاريكاتير، المتمثلة في الفكرة والرسمة، بل تعتمد بشكل أساسي على مدى قدرة الرسام، في توصيل الرسالة للجمهور بسهولة، وإذا لم يستطع أن يصل بفكرته إلى الناس، فهو رسام فاشل .

وأضاف: “من الممكن أن ننقد الرسام في مدى نجاحه في توصيل رسالته للجمهور، حول قضية معينة تبناها، أما نقد الكاريكاتير نفسه فلا يصح، لأنه عبارة عن فكرة ورسمة، والفكرة لا يمكن نقدها، لأنها تعبر عن أيديولوجية الرسام، والرسمة أيضاً تعبر عن أسلوبه الذي لا يجوز نقده .

كما أشار فرحات إلى الطبيعة الخاصة التي ينفرد بها هذا الفن عن غيره من الفنون، موضحاً أن رسام الكاريكاتير له طبيعة خاصة، فهو يختلف مثلاً عن الفنان التشكيلي، لأن التشكيلي من الممكن أن يرسم كل يوم لوحة، بشكل مختلف، حسب حالته النفسية، وبالتالي فالنقد هنا جائز، أما الرسم الكاريكاتيري فيختلف عن ذلك .

وذكر فرحات أنه منذ بداية فن الكاريكاتير في القرن التاسع عشر، حتى الآن، لم نلاحظ وجود تيار نقدي حول هذا الفن، مثل التيارات والمدارس النقدية للفنون الأخرى، مشيراً إلى أن كل ما كتبه النقاد حول هذا الفن لا يخرج عن الشكل الانطباعي، بمعنى أن هذا الفنان جيد لخفة دمه مثلا، وهذا نقد انطباعي أكثر منه نقداً له أصول واضحة وثابتة، مثل باقي الآداب والفنون .

لخص فرحات حديثه بتأكيده أن الخصوصية الشديدة لكل فنان تفوت عملية النقد، كما أنه كرسام كاريكاتير يرى أن النقد لا يفيد الرسام، بل من الممكن أن يضره، ويجعله خاضعاً لناقد ما، ويغير من أسلوبه .

أما د . شاكر عبدالحميد فأرجع الغياب النقدي والتنظيري لهذا الفن إلى التركيز على الكلمة، لا الصورة، حيث قال “الاهتمام بنقد الكاريكاتير والنقد التشكيلي ضعيف، لأن النقد في ثقافتنا العربية يرتكز حول الكلمة المكتوبة والمنطوقة فقط، كما أن الكاريكاتير من الفنون التي لا تحظى بالاهتمام، لأن الناس ينظرون إليه على أنه فكاهة وسخرية فقط، يستغرق نظرة ثم يتم نسيانه، رغم أنه فن يقوم على أساس فلسفي، وهذا الأساس الفلسفي هو النقد الاجتماعي، فمن الممكن أن يكون نقداً سياسياً أو نقداً للممارسات والمواقف والشخصيات” .

كما ذكر أن فنون الكاريكاتير في الغرب تلقى اهتماماً كبيرا، وبالتالي نجد الكثير من الدراسات النقدية والتنظيرية حوله، بل حول رسومات لفنانين عرب اهتموا بقضايا كبرى مثل ناجي العلي .

وأشار عبدالحميد إلى سبب آخر أدى إلى عدم الاهتمام بهذا الفن، وهو عدم وجوده في المواد الدراسية وكليات الفنون الجميلة أو معاهد النقد الفني، مؤكداً أن غياب النقد لم يؤثر في الرسامين، فهم مازالوا يرسمون بصرف النظر عن اهتمام النقاد برسوماتهم، لكن في نفس الوقت يسعدون عندما يجدون من يهتم بهم ويشجعهم .

أما الفنان عصام حنفي فأرجع الغياب النقدي والتنظيري للرسوم الكاريكاتورية إلى قلة عدد الرسامين على مستوى الوطن العربي، وبالتالي فالمتابعة النقدية أيضاً قليلة، حيث قال حنفي إن “رسامي الكاريكاتير على مستوى الوطن العربي، لا يمثلون نسبة، بجانب الفنون الأخرى، وبالتالي فالمتابعة من جانب النقاد قليلة، وهي ليست متابعة نقدية بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل هي مجرد رصد للفنانين في المراحل التاريخية المختلفة فقط .

وذكر حنفي أنه من النادر جداً وجود دراسة نقدية حول رسومات فنان ما، مؤكداً أن الدراسات دائماً ما تكون عبارة عن موضوعات تحليلية أو رصدية تتحدث عن سيرة فنان كبير، مشيراً إلى أن هذه الموضوعات التحليلية دائماً ما تكون مرتبطة بفنان صاحب قضية معينة .

ولم يقصر حنفي أسباب غياب الدراسات النقدية والتنظيرية حول فن الكاريكاتير على قلة عدد الرسامين فقط، بل أشار أيضاً إلى أن ارتباط الكاريكاتير بحرية الصحافة أدى إلى غياب النقد، حيث قال “فن الكاريكاتير ترمومتر حرية الصحافة، وكلما كانت هناك حرية ارتفع أفق هذا الفن، واستطاع أن يعبر عن كافة القضايا بحرية شديدة، ومن هنا يأتي النقد” .

أكد أن هذا الفن تعرض لمزيد من التجاهل في العصور المختلفة، خصوصاً في العشر سنوات الأخيرة، من خلال القمع الذي كان يمارسه رؤساء التحرير أنفسهم على الرسامين، وبالتالي انصرف النقاد عن رسام الكاريكاتير، الذي يعاني التجاهل، فالناقد الفني يرى أن هذا الفن متجاهل، من جانب الجميع، فكيف يكتب عن شيء غير معروف .

وأشار حنفي إلى أن فن الكاريكاتير يعد من أكثر الفنون التي دفعت ثمن جرأتها منذ فترة كتيبة الرواد التي واجهت السادات وكامب ديفيد مثل “حجازي بهجت- اللباد- بهجوري”، وكثير من هؤلاء الفنانين تم تهميشه، وسافر إلى الخارج، نظراً للقمع والتجاهل الذي تعرضوا له، فمن أين يأتي النقد هنا ؟

وتنبأ حنفي بأن الفترة المقبلة ستشهد العديد من الدراسات النقدية والكتب أيضاً حول فن الكاريكاتير، خصوصاً في أعقاب الحرية الكبيرة التي حصل عليها الرسامون بعد الثورة، حيث قال: “أصبحنا نرى الرسومات على جدران القاهرة، وهذه الرسومات فكرة ثورية عبقرية، ستؤدي إلى حدوث انفراجة فنية، بدأت مؤشراتها في فن الكاريكاتير، الذي كان مصاحباً للثورة، منذ يومها الأول، بل تنبأ بها أيضا، وبالتالي ستكون هناك العديد من الكتب والدراسات التي تتحدث عن دور الكاريكاتير في الثورة، خاصة أن دوره كان بارزاً ومؤثراً” .

وإذا كان الفنان عصام حنفي قد أرجع الغياب النقدي والتنظيري لفن الكاريكاتير إلى قلة عدد الرسامين والتجاهل الشديد الذي يعانيه هذا الفن، فإن الرسام الكبير محمد حاكم أسند سبب الغياب إلى العقم الذي تعانيه الدراسات الإعلامية بشكل عام، حيث قال إن الدراسات الإعلامية المتعلقة بالصورة فشلت في تحديد موقع الكاريكاتير من الصورة الموجودة في الرسوم المتحركة مثلا، وبالتالي غابت الدراسات المتعلقة بالكاريكاتير وتجاهلها الجميع، ليس لأن الكاريكاتير فن يعاني التجاهل فهذا غير صحيح، ولكن الذين يقومون بهذه الدراسات خاصة المتعلقة بالصورة فشلوا في وضع الكاريكاتير على الخريطة، ربما لأنه فن ذو طبيعة خاصة .

وأكد حاكم أن الدراسات المحدودة التي اطلع عليها جميعها تفتقر إلى المنهجية على عكس الدراسات الأجنبية التي لا تعتمد على التأريخ فقط، بل توضح المدرسة التي ينتمي إليها كل فنان على حدة، وتتبع الأساليب النقدية السليمة، مشيراً إلى أن الدراسات النقدية حول الكاريكاتير في عالمنا العربي عبارة عن موضوعات طويلة ترصد أو تسجل أشهر الفنانين في المراحل التاريخية المختلفة فقط، باستثناء دراسة واحدة فقط، وهي عن موقف الكاريكاتير من القضية الفلسطينية أو الانتفاضة على وجه التحديد وقام بها أحد النقاد بعد قراءته للدراسات التي أعدها “الإسرائيليون” عن دور الكاريكاتير المصري في الانتفاضة، لكنها للأسف الشديد لم تلق أي اهتمام، ربما لأنها نشرت في مجلة “أدب ونقد”، التي تصدر عن حزب التجمع .

ونفى حاكم وجود أي تأثير سلبي في رسام الكاريكاتير نتيجة تجاهل النقاد له، مؤكداً أن رسام الكاريكاتير يسير بسرعة الصاروخ، وعندما تقابله أي سحابة يفضها بخفة شديدة، لكن من المؤكد أنه لو وجدت دراسة نقدية جادة فسيهتم بها الرسام، ويحاول الاستفادة منها .

أما الرسام الشاب سمير عبد الغني، فقال إن السبب الرئيس للغياب النقدي هو أن هذا الفن لم يدرس في الجامعة أو في المعهد، ولا نستطيع أن نقول هذه الرسمة جيدة والأخرى غير جيدة، لأن كل رسام له أسلوبه الخاص به، فمن الممكن أن تكون الفكرة واحدة، ويرسمها مصطفى حسين بطريقة، ومحمد حاكم مثلاً بطريقة أخرى، وفي هذه اللحظة لا نستطيع أن نحدد من الأفضل .

وأشار إلى أن الكاريكاتير عبارة عن رسم وتعليق، وهي حالة فيها بداهة وخفة دم، وكل فنان يضع بصمته الخاصة، وبالتالي فالنقد هنا صعب جدا، كما ذكر عبدالغني أن الدراسات دائماً ما تكون مرتبطة بمكانة الفنان وأهمية القضية التي يتبناها، فمثلاً هناك العديد من الدراسات التي نشرت حول رسومات الفنان الراحل الكبير ناجي العلي، ليس فقط لموهبته ولمكانته الفنية العالية، ولكن لأهمية القضية التي تبناها أيضا، فكانت قضية عظيمة وتبناها بإنسانية، وتحول إلى فنان عظيم .

وأكد عبد الغني أن هناك فنانين كبارا، لم تكتب دراسات عن أعمالهم مثل حجازي، مشيراً إلى صعوبة نقد أعماله، رغم أنه فنان كبير، معللاً ذلك بفطرية وعفوية أعماله، التي تجعل الناقد عاجزاً عن ممارسة نقده .

يقول الفنان سعد حاجو: المُفاجأة السارّة وغير المتوقّعة المتمثّلة في هروب رئيس تونس الأسبق بن علي بالطائرة، رسَمَت ابتسامة على وجه المواطن من المحيط إلى الخليج، واللَّقب الذي أُطلق عليه لاحقاً “زين الهاربين” خير تجسيد لمواكبة السخرية الشعبية للَحَدَث . اعتمَدت الأنظمة على زَرع الخوف، فاستبدّ بالمثقفين دهراً طال ومن حاول منهم مواجهة القمع المُمنهج كوفئ بالسجن أو بالنفي، أمّا العامّة فقد جنحوا إلى الصمت والانصياع للأمر الواقع ووصلوا إلى نتيجة مفادها أن تبديل الحال من المُحال .

المُفارَقة أن هذا الكمّ الهائل من الكاريكاتير الساخر الذي صنعه الناس في الطرقات أو على صفحات التواصل الاجتماعي، أو الذي نفّذه رسامو كاريكاتير محترفون لم يخضَع بعد للتحليل والنقد، ربّما لغزارة المُنَتج وطزاجته وربّما لصعوبة نقد النَّقد، القيام بتحليل السّخرية هو عمل جدّي يُعالِج مُنجَز تهكّمي وذلك من أصعب أنواع النقد، كمَن يحاول تحليل عمل موسيقي بإنجاز تأليف مقطوعة موسيقيّة جديدة لشرح ذلك العمل . شخصيّاً قمت بكتابة نص حول الموضوع تحت عنوان “الكاريكاتير في مواجهة الطغيان”، وعرضت فيه أشكال وتقنيات الكاريكاتير في الربيع العربي، كانت الخلاصة التي وصلتُ إليها أن الكاريكاتير في زمن الفعل الثوري يُهذّب المُنجَز الشعبي الذي أنجزه العامّة، ويُقرّب فن الكاريكاتير الرسمي من الناس ما يؤدّي إلى التقريب بينهما وإعادة الثقافة إلى جذرها اللغوي كمقوِّم للاعوجاج عبر فضحِه، كفعل مواجهة .

الناقد فيصل سلطان يقول لا يعاني الكاريكاتير وحده من نقص في المتابعة الجادة والتنظير النقدي في الحياة الثقافية العربية . هناك فنون أخرى تعاني المعاناة ذاتها، ولكن الإهمال النقدي يبدو أسهل في حالة الكاريكاتير، وذلك لأن قيمة هذا الفن موجودة في التأثير اللحظي الذي يتراكم بالتدريج في ذهن المتلقي، ويسهم في صناعة انطباعات عامة أو رأي عام حول قضية معينة . هناك ألبومات خاصة بعدد من فناني الكاريكاتير العرب الكبار، ولكن ليس هناك مؤلفات نقدية تواكب تجاربهم وتوثق الممارسات الفنية والتقنيات التي تُستخدم في أعمالهم . الخشية هنا أن البعض لا يزال يُعامل رسوم الكاريكاتير على أنها نوع من “النكتة” أو الكوميديا أو الموقف الآني العابر، وبالتالي لا تستحق التنظير الجاد والمتابعة النقدية . بالمقابل، تفتقد حياتنا الثقافية إلى تقاليد متماسكة في قراءة الكاريكاتير على أنه نص تشكيلي لا يختلف عن اللوحة أو المنحوتة أو التجهيز الفني، بل إنه نص ثقافي يشبه أي نص شعري أو قصصي أو روائي، ولكن مع اختلاف اللغة والأدوات المستخدمة في إنجازه . هكذا، يمكن اعتبار النص الكاريكاتوري مادةً إبداعية مكتفية بالأثر الذي تُحدثه، وبالطموحات الفردية للفنانين الذين يطورون أساليب عديدة في رسوماتهم، ويستثمرون تياراتٍ وتجارب أجنبية سبقتهم إلى تقديم منجزات مدهشة في هذا السياق . كأن الفنانين أنفسهم يدركون أن رسوماتهم تواجه المتلقي والجمهور من دون تعزيزات نقدية نظرية، ويدركون أن ما يحدث هو جزء من طبيعة وخصوصية فن الكاريكاتير، ولذلك نجد أن أغلب فناني الكاريكاتير العرب هم منظّرو تجاربهم وتجارب زملائهم، بينما نكاد لا نتذكر اسم ناقد عربي تخصص في مواكبة هذا الفن، وكتب عن دوره في التطورات السياسية والاجتماعية في العالم العربي .

الشاعر والناقد أنطوان أبو زيد يقول أظن أن الكاريكاتير هو فعل إبداعي ونقدي في الوقت نفسه . إنه فن تأريخ اللحظة السياسية والاجتماعية، وهو اليوم يمثل أحد أشكال التعبير السائدة في الحراك الثوري الذي اندلع في عدد من الدول العربية، وهناك رسوم تُحدث أثراً يوازي ما تُحدثه التظاهرات والاعتصامات، كما أن الكاريكاتير يمثل نوعاً من التهديد للسلطات والأنظمة لما يحمله من طاقة انتقادية هائلة . ولهذا، يبدو أن هذا الفن مكتفٍ بقوته النقدية والمباشرة، ولا يحتاج إلى الكثير من التنظير الذي يرافق عادة الممارسات الثقافية الأخرى مثل الشعر والرواية والمسرح . ويُضاف إلى ذلك أن الكاريكاتير هو فن أجنبي مجلوب من ثقافة أخرى، ولا يزال فنانونا العرب يستثمرون مخيلاتهم وطموحاتهم الفنية من دون أن يواكبهم نقاد متخصصون . هناك نقاد تشكيليون يقدمون تغطيات واسعة لمعارض الرسم والنحت، بينما تتم معاملة الكاريكاتير بخفة وتساهل على أساس أن رسالة أو مقولة لوحة الكاريكاتير لا تحتاج إلى ثرثرة نقدية، بل تحتاج إلى ذكاء المتلقي وسرعة تفاعله معها . بل إن بعض المتابعات النقدية في الصحافة اليومية لا تعامل الكاريكاتير بوصفه لوحة عادية، وتنظر إليه كفعل احتجاجي أو كوميدي مباشر لا يحتاج إلى تفنن وجماليات الرسم التقليدي . الخلاصة أن هناك نقصاً حاداً وغير مبرر في الكتابة النظرية والنقدية عن فن الكاريكاتير العربي . هناك بعض التجارب المكرسة التي نالت حظها من النقد مثل تجارب: ناجي العلي، وجورج بهجوري، وعلي فرزات، ومحي الدين اللباد . . إلخ، ولكن ذلك ظل في حدود الكتابة عن أسلوبيات معينة ومتفرقة . ربما يكون ذلك بداية جيدة لتوثيق نظري أوسع لفن الكاريكاتير العربي الذي يحتاج إلى بحث شاق حول المؤثرات الأجنبية فيه، وحول الاختلافات التقنية والأسلوبية المستخدمة فيه، بانتظار أن يتطور نقد الكاريكاتير ليكون مواكباً حقيقياً لهذا الفن الاحتجاجي المدهش .

ويقول المفكر محمد ولد أحظانا “عندما ننظر إلى أفق النقد بصفة عامة في المجال العربي نجد أن فيه عدم تفاعل أو تكيّف مع الوضع الكمي للمادة الإبداعية بصفة عامة . وبالنسبة لفن الرسم بصفة خاصة ما زال الإبداع غير مصنف وليس هناك نقد عربي للفن، أي نقد واضح المعالم . . لكن هناك مجموعة من الأطر المستحلبة من النقد الغربي، وعلى كل لم تصل بعد إلى درجة استيعاب الظاهرة الفنية العربية” .

ويضيف “بالنسبة للكاريكاتير بصورة أخص، فإن الغياب أكبر لأنه فن لم يعترف به بعد، ولم تتحدد معالمه، فهو فن حديث من الناحية الزمنية، وينظر إليه بنظرة كاريكاتيرية فكأنه فن غير جاد بالنظرة العربية وموضوعه النقد دائماً ويتمنع من النقد في لأنه هو نفسه فن نقدي، وإن اختلفت الدلالة، وبالتالي لم يعترف بهذا الفن كفن مؤهل للنقد من طرف الرسامين والمهتمين بالرسم في المنطقة العربية . وعلى كل حال فإن المنظور النقدي لهذه الظاهرة يدخل ضمن لائحة من الأولويات لنقد الإبداع . وفن الكاريكاتير هو آخر اللائحة حتى الآن” .

بون ولد الدف، أحد أبرز رسامي الكاريكاتير في موريتانيا يقول “شهد العالم بأسره في العقد الأخير من القرن الجاري تحولات كبيرة وجذرية على جميع الأصعدة خصوصاً من الناحية السياسية والاقتصادية مما شكل تغيرات كبيرة على الخريطة الجيوسياسية العالمية، والتي يعتبر المشهد الثقافي أحد روافدها ومؤثراتها، والعالم العربي تفاعل بشكل استهلاكي مع الثورة الثقافية العالمية، وأثرت في إنتاجه الثقافي والفني إلى جانب همومه الخاصة، ولا شك في أن أغلبية الدول العربية خاصة - الشرق أوسطية تشهد طفرة كبيرة ونقلة نوعية في المجالات الثقافية والسياسية والاجتماعية .

يحتل الإعلام نصيب الأسد من هذا الحراك ويؤدي دوراً مهماً في إنارة وتثقيف وترفيه الرأي العام العربي . وبما أن الكاريكاتير من توابل الصحافة ويهتم بتبسيط الأشياء المعقدة ويلخص الأحداث في خطوط ساخرة ومعبرة فلم يحظ هذا الفن الراقي في زمن السرعة والإشباع بمكانته اللائقة بين صفوف النقاد العرب وحتى النوادي والحكومات العربية، وهذا يرجع إلى غياب ثقافة الصورة عندنا وكذلك عدم تشجيع المواهب الناشئة والمهنية، والتقصير المفرط في أهمية الفنون الجميلة وكذلك ضعف المناهج التعليمية وعدم مسايرة العالم المتحضر الذي يتخذ من الصورة سلاحاً فتاكاً صامتاً لغزونا سياسياً واجتماعياً واقتصادياً .

الرسام خالد مولاي إدريس، رئيس اتحاد التشكيليين الموريتانيين يقول “يُعد الرسم أحد الأساليب الفنية التعبيرية التي يتميز بها الإنسان عن باقي المخلوقات ففن الرسم ليس تصويراً للواقع لكنه انعكاس عنه ومساحة اللوحة لا تمثل عالم الشكل، وإنما أبعاده المبعثرة في الألوان والخطوط ومساحة التظليل والبياض التي تخفي بين طياتها الضوء المسلط على الشكل لإبراز معالمه وقراءة تفاصيله وملامحه الغارقة في بحر البياض ذاته .

فن الكاريكاتير من أقدم الفنون التي عرفها الإنسان فعبر العصور في المغارات في الأزاس وليما في شمال إيطاليا وجدت أقدم رسومات علي الإطلاق تجسد بعض الحيوانات والطقوس التي تميزت بها أنذلك تلك المجموعات البشرية في تلك الحقبة . وتظهر الصور تحوير الأجسام البشرية إلي حيوانات ضخمة مفترسة وكأنما أراد الفنان حينها إطفاء نوع من الرهبة والقوة التي كان يراها في تلك الضواري .

وفي الحضارة الكنعانية والفينيقية والسومرية والبابلية وكما المصرية، شهدت هذه الحضارات فن التحوير أو ما يعرف عندنا اليوم بفن الكاريكاتير .

أما الكاريكاتير المعاصر فبدأ ينفصل عن الفن والرسم الكلاسيكي مع مطلع الثورة الصناعية في أوروبا حيث بدأ التميز والتفرع لكثير من المناهج الفنية المختلفة .

وكانت الدعاية الغربية إبان الحرب العالمية الأولي والثانية . ضد ألمانيا النازية . هي ما فتح الباب واسعاً أمام فن الكاريكاتير كما هو اليوم .

إلا أنه وفي عالمنا العربي وكأغلبية الفنون بقي التعاطي معه يطبعه نوع من التحفظ تحكمه خصوصية المجتمع المحافظ الذي يعيش فيه الفنان والنظرة العقائدية أحياناً أخري .

لكن في ظل ثقافة الصورة سواء كانت الناطقة منها أو الصامتة بدأت تبرز اتجاهات قتلت تلك الرتابة والجمود في التعاطي مع الكاريكاتير فأصبحت الجرائد والمجلات والدوريات تنحو لتبني الكاريكاتير كرافد جديد يقتل جمود الكلمات وليضفي نوعاً من الترفيه البصري بعيداً عن البحث في دلالات الكلمات، فأصبح المقال يختصر في رسم معبر مرن الفهم مقروء من القارئ ومفهوم من الناظر .

إلا أن هذه الحركة ومقارنة بعمرها، الذي قد لا أراه تجذر بعد، تظل من دون طموح وتطلعات الرسامين إذ كيف يعقل أنه حتى اليوم في عالمنا العربي تغيب عنا ثقافة الصورة ببعديها الاستدلالي والتثقيفي.

 

معرض الصور