الخرجي ..نحات الكاريكاتير السعودي

قيم هذا الموضوع: 
لا يوجد تقييمات
المصدر: 
جريدة الوطن - السعودية
تاريخ النشر في المصدر: 
السبت, آذار (مارس) 2, 2013
الكاتب: 
عبدالله صايل

لم تك صدفة قط أن يكون أول فنان كاريكاتير سعودي يمتهن ويحترف هذا الفن نحاتاً مسكوناً بالحفر والصقل والتطويع! معاول الإرساء والترسيخ لها سمة الإفراط في الوزن.. استعداداً لعبء القيمة الثقيل!
النافذة الاحترافية الأولى جاءت عبر بوابة هذا الفن الأهم، الصحافة. أكاد أجزم اليوم بأنه لولا معطيات المرحلة السعودية آنذاك، ستينيات القرن الماضي، وما شاب المشهد الثقافي في فنونه المحررة للعقول والبعيدة عن السطوة "المباركة" للشعر والغناء، من تهميش وتضييق، لحظي العالم العربي بأسره بجملة أعمال نحتية لها مكانتها في زوايا متاحف عالمية.
علي الخرجي، وبينما كانت خامته الأهم هي الحجر والرخام، إلا أنه وجد نفسه مضطراً إلى اللجوء إلى فن محرر للوجدان بشكل وكيف آخر، فن يقلب جمود الطاولة ويضع المشهد في عين التصور لا التهيّب. فكان أن اختار الكاريكاتير وحسُنت رفقتهما.
الحديث اليوم عن فنان حضر اسمه في المنابر في زمن «استاتيكية» الحراك من عمر المجتمع السعودي، وتسعى المفردة جاهدة هنا لأن تقرب المشهد صورياً بفكرة أثر قطر الماء على رأس جلمود، قبل أن يستحيل نتاج الإصرار درباً للسُـكاب وطريقاً يصل به إلى أبعد من بؤرة الجذب. تعدد المرتوون وكثر الشاربون. فكان الخرجي "الظاهرة"! ومن المرحلة.. تأسس درس الموضوع المحلي وأهميته في صياغة ضمير المحاكاة.
المرأة والخــــرجي
الأنثى، مثلاً، كثيرا ما ظهرت حاسرة في كاريكاتير الخرجي وفخورة بأنوثتها، كما الأنثى في بيتها تماماً. لكن الواقع يقول إن هذا المشهد خرج على وعي مجتمع لم يحسم موقفه آنذاك من الموافقة على تعليم البنات! فكيف بتصوير أنثى سعودية بدقة نحات؟ من المهم التذكير هنا بمواكبة الصحافة السعودية حينها وفهمها لقدوم تغيير تمت ترجمته بنشر أعمال كاريكاتيرية على هذا القدر من التصويرية، على رغم ما تباطأ من تقويم يدرس كيفية التغيير، وتحويله إلى تطوير كان من الممكن أن يطال ذهنية جمعية سادت شرائح مختلفة في مجتمع قبل نصف قرن تقريباً.
الإنسان، المكان... والخرجي
حضر الإنسان سعودياً بالكامل في كاريكاتير علي الخرجي، فرأينا أنفسنا وذوينا كما نعرفهم.. بالتزامن مع انطلاقة مجتمع مدني. وللحضور الإنساني الرصين هيبته في كاريكاتير الأستاذ، فسلامة التشريح ليست سعياً للذريعة بل حقيقة كاملة، فكان أن حضر الخط الخارجي هو الآخر بكامل احترامه وسطوته، وكان التحبير عنده يتجاوز التأطير إلى اكتمال التحديد، فعرفنا من خلاله إلى أين ننظر! وإن اعترفنا معاً، أن للكاريكاتير ميزة التدوين الثقافي للمجتمعات ومراحل انتقالها، فقد فعل الخرجي هذا عبر اهتمامه الكبير بالطبقة السعودية الوسطى (الموظفين) التي بدأت تظهر وتتسيد المشهد السعودي. ستجد هذا في لغة التعليق للموظف "المتعلم"، طاولة الطعام، الهاتف، التلفاز، وغيرها من عناصر بيئية مدنية لا يستخدمها في أعمال أقدم. المجتمع كان يستعد لنقلة من نوع ما.. والعودة لكاريكاتير الخرجي قد تشرح الكثير، ويظل السؤال الماثل بعدها لقارئي المجتمع السعودي الحديث يردد مرة تلو مرة: لماذا أنبتت بذور هذه النقلة أعجازاً (جذوعاً) وأوراقاً.. ولم تأت بثمر؟
اللون... والخرجي
انتقل الخرجي للمرحلة اللونية بعد سرد فريد للأسود والأبيض ورماديتهما، وعندما انتقل إلى الألوان لم يترك مساحة شاسعة لتمييز الفرق، فقد حضر اللون عند الحاجة لا لفرضه وحشوه في عين القارئ. وكان لدهشتي، أثناء حواري معه في يوم من الأيام، أن اكتشفت أنه لم يكن حريصاً على استخدام المائيات، بل كان عاشقاً للأحبار الصينية الملونة، وكان فناننا الكبير يقوم بخلطها للحصول على كل هذا التنوع والتدرج اللوني الأخاذ ببساطته. وأذكر في لقاء جمعني به قبل سنوات في منزله، يرحمه الله، أنه شرح لي سر حبه للأحبار الصينية، وأن مرد هذا العشق يعزى إلى شفافية الأحبار وعلو نسبة الماء المسبب للحياة فيها أكثر من أي وسيط مائي آخر! وأرى من جهة أخرى أن في هذه الخطوة مواكبة احترافية لبدايات التطور الذي شهدته الطباعة في الصحافة السعودية مع بداية الثمانينيات الميلادية، إذ أصبح للألوان حضور متزايد يوماً بعد يوم.
الخرجي... البادئ
أن تكون البادئ لا يعني بالضرورة أن تكون الرائد! ولكن في حالة الخرجي الكاريكاتيرية، واكبت البداية جملة من تفاصيل تبدأ بالتفرد، وتمتد إلى الخصوصية، ولا تنتهي عند الأصالة! وهنا مكمن الريادة! فأول محترف للكاريكاتير ومحقق لمفهوم الممارسة الاحترافية في السعودية هو: الأستاذ، ولم يأت هذا بالسهولة التي قد يتخيلها الجيل الجديد، فكبيرنا الراحل أسس لجميع التفاصيل. قسم للكاريكاتير، راتب للرسام، تشجيع للمواهب، تفتيش عنها لدى الأطفال.. وغيرها من الدقائق التي يقتضي تراكمها دعماً مؤسسياً يتخطى قدرة الفرد في أحيان كثيرة، كما يضطر صاحب العبء إلى التعاطي مع مختلف وسائل الإعلام المتاحة آنذاك، وهذا ما كان لـ"بابا علي". لقد عمل الخرجي بفنه على صنع اختلاف، إلا أنه أيضاً تخطاه بعد أن طوعه، وانتقل به إلى مرحلة إشاعة الاقتراب حتى من عتبة الاختلاف، فتحلقت عيون حول ما قدّم من عمل كاريكاتيري. فتحقق نوع جديد من المعرفة، سأسميه في حال أستاذنا الخرجي «المعرفة الالتقائية»، فهناك متفق وهناك مختلف. لكن هناك معرفة جديدة في نهاية الطريق!
هذا ما يكفله الفن.. ولا يدركه ألد أعداء الفنون:
التاجــــر.. والمرتــــاب!

معرض الصور