من ممرات الصحافة.. لفضاءات الثورة!!

قيم هذا الموضوع: 
Average: 1 (1 vote)

ممرات الصحافة الضيقة
في مثل هذا الوقت من النهار، قد تجدونني محشورا في تلك الزاوية في مكتبي الصغير الملقى في أحد ممرات الصحيفة، أحاول تمرير رسم كاريكاتيري من بين سلسلة العوائق والموانع الكثيرة التي تحاصرني، ليأخذ مكانه المتواري بين مجموعة مقالات كل هم أصحابها، ملأ فرغات الصفحة ... وجيوبهم.
في مثل هذا الفضاء المغلق، الذي تهيمن عليه عيون الرقيب، تكون مهمة رسام الكاريكاتير التي هدفها الكشف والتعرية والفضح، صعبة جداً وربما مستحيلة، ففي صحافة وظيفتها التجميل و التزويق و الإخفاء و قلب الأمور، يكون رسام الكاريكاتير أمام خيارين، إما أن يسير عكس الإتجاه السائد ويستعد للصدام الدائم مع مسؤوليه ومع السلطات، فيتم منع رسومه من النشر، أو أن يكتم شهادته على مايراه، ويبحر بريشته خارج هموم الوطن.
ثمانية أعوام قضيتها بين جدران سميكة، من الصمت والتزوير والتطبيل، أحاول شق طريق في أرض صخرية، و تحت أشعة شمس حارقة، أمسك بالحقيقة، وبدل أن أعبد لها طريقاً للقراء بريشتي، أقوم بإخفاء معالم وجهها بألوان مختلفة، كيما تستطيع العبور بسلام.
دائماً ما كنت أتخيل الأفكار كعصافير جميلة تتكاثر بلا توقف، وعقلي قفص صغير. كعاشق للحرية، لابد لك أن تترك باب القفص مفتوحاً طوال الوقت، لتجد العصافير طريقها للفضاء الفسيح، لكن باب القفص بقي في أغلب الأوقات مقفلاً، ويوماً فيوماً توقفت تلك العصافير عن التغريد، وعن التكاثر، حتى أصبحت تنفق الواحد تلو الآخر.
قليلة هي المرات التي استطعت فيها تمرير فكرة لاذعة - تمس أساس المشكلة في البلد، أو تشير بالبنان لمسببيها الحقيقيين  - دون أن تمسها يد الرقيب وتحجبها، صرت أتحين الفرص التي تخف فيها سطوته، وأستغل أجواء صراعاته مع بعض الأطراف هنا و هناك، لأصبح مثل مقتنص الفرصٍ، يبحث عنها ليستطيع إطلاق بعض طيوره في الفضاء, وأزعم أني كنت جيداً في ذلك.

- فضاءات 14 فبراير المفتوحة
وسط هذا الفضاء المغلق على رسام كاريكاتير يعتمل عقله بعشرات الأفكار، سائراً بخطاه متعثرة وسط حقل ألغام، محاطاً بعيون الرقيب الحادة، يفقد يوماً بعد يوم الشغف الذي تخلقه مثل هذه المهنة، وسط كل ذلك خرجت يد بيضاء من حيث لا يعلم أحد، لتمزق كل الحجب والستور على أمة مغلولة الأيد والأقدام، ممنوعة من الكلام، لتبزغ شمس ربيع عربي طافت طيوره من المحيط لتحط على سواحل الخليج، سواحل أرض دلمون بالذات، لتشعل التراب من تحت الأقدام، وليخرج من بين ركام النسيان، دوار اللؤلؤة الذي تحول من نصب صامت جامد، ليصبح رمزاً يضج بالدلالات والمعاني، و يصدح بنشيد الحرية والديموقراطية.
حملت أوراقي وريشتي، فاتحاً الباب لكل الأفكار لتحلق معي في سماء صافية لاحدود لها، شهر من الحرية عشناه في اللؤلؤة، لم يراودنا مثيله إلا في أحلامنا، صرت أتنقل فيه بين عالمين، عالم الصحافة المغلق صباحاً، وعالم اللؤلؤة المفتوح مساءاً.
شهر أو أقل من الحرية أبت سلطة الظلام أن تجعله ربيعاً دائماً، فلم يطلع الصباح إلا وطائراتهم ودباباتهم تحيط بالبقعة الوحيدة من الحرية في وطن نهبت حتى سماؤه، لتبدأ عندها حقبة ((التطهير)) التي طالت كل وجودٍ حر وكيان رافض للدكتاتورية، هُدمت مساجد، واعتقل المئات، وشهر بالمئات على شاشات التلفاز الرسمي و صحفه، و فصل و حقق مع الالآف، و كان للعاملين في المؤسسات الصحفية التي كانت كل مهمتها التطبيل والتزمير نصيبهم، فتم فصلي أنا و تسعة من زملائي من الصحيفة التي كنت أعمل بها من بين عشرات المنتمين للجسم الصحفي.
فرض عندها قانون ((السلامة الوطنية)) ليُستلب فيه أي إحساس بالأمان والسلامة، ولتلاحق الذئاب المسعورة كل من يحمل في قلبه شيئاً من الإحساس بالوطنية، مرت أشهر (أقل من ثلاثة) كانت فيها السلامة الوطنية كأثقل مايكون علينا، الأجساد تطفو في بحر من الدم، الفضاء لاتملؤه غير صرخات المعذبين وأنات المنتهكين، والظلام لا تبدد سحبه إلا صيحات التكبير لمضطهدين لم يعودوا يملكون إلا حناجرهم وقلوبم.
في تلك الفترة أغلق الكثير منا صفحاته الإلكترونية، أو قام بتغيير إسمه، محاولاً الإبتعاد عن الأنظار قدر الإمكان، لكيلا  تقتنصه عقبان الظلم فيعود جثة هامدة لأهله، أو يرمي في قعر السجون لقمة سائغة بين يدي الجلادين.
وإنقضت فترة السلامة الوطنية، ليستعيد الناس عافيتهم شيئا فشيئاً، وليبدء كل واحد منا برفع رأسه بتوجس وخوف، محاولاً نزع جبال الخوف عنه، كنت أنا واحد من أولئك، سلاحي قلمي وريشتي، كانت البداية صعبة، وتلمس الطريق وسط العتمة أصعب، لكن خيار المضي قدماً كان الخيار الوحيد لفرد عاين كيف امتهن شعبه أشد الإمتهان من قبل نظام فاسد مجرم وطائفي.
بالنسبة لرسام كاريكاتير سلاحه السخرية والتندر، فإن التعبير عن الحزن والألم والمعاناة مهمة ليست بالسهلة أبداً، كل يوم يمر تطوف أمامك عشرات الصور القاتمة، وتطرق مسامعك آهات المنتهكين والمعذبين، وأي رسم مهما كانت براعة صاحبه، سيكون عاجزاً عن التعبير عن هذا المشهد الدامي والمؤلم، لكن هو تحدٍ قبلت الدخول فيه، بكل ما أملك من خبرة ومهارة و إحساس.
موجع ما أقوم به رغم كم السخرية التي تحويه، فلا ينتهي العمل على كاريكاتير إلا بعد أن يعتصر الألمُ قلبك، فلا يملك أي راوٍ أو صاحب ريشة أن يصور مشهداً من المأساة دون أن يدخل في تفاصيلها ويحاول تلمس ألم الضحية فيها، ألم الفقد، ألم السياط في المعتقل، الألم الخفي لنساء أعتدي على أجسادهن، ألم الجراح التي لا سبيل لعلاجها بعد إحتلال العسكر للمستشفى الرئيسي في البلاد، ألم الجوع لعائلة حوصرت وسدت في وجهها كل سبل الرزق، ألم على مساجد تهدمت الواحد تلو الآخر، صور لا حصر لها من مشهد معتم ترسمه أيد تتلذذ برسم مشاهد الألم والعذاب والمعاناة على الأجساد والقلوب و في الذاكرة.
كثيراً ماقيل لي ((بأنك رسومك مبدعة ورائعة)) فيكون جوابي: الرائع والمبدع هو هذا الشعب الذي لا يقاوم الموت والظلام ليعبر فوق الحرائق والألغام والألم، ليغير واقعه البائس لآخر مشرق بنور الحرية.

المرفقات: 

معرض الصور