مؤيد نعمة .. أول فنان عراقي وعربي وظف الكاريكاتير في فن النحت

قيم هذا الموضوع: 
Average: 3 (1 vote)
مؤيد نعمة، الرابع من اليسار، أثناء إفتتاح معرض مشترك في قاعة الرواق 30/9/1992

(استذكار شخصي)
في المعرض الثاني لجمعية الكاريكاتير العراقي، الذي أقيم على قاعة المتحف الوطني للفن الحديث، في حزيران من عام 1985، أشار الفنان مؤيد نعمة عند مجموعة من المشاركين الحاضرين، الى لوحات كانت مشاركة، بان رسامها سيكون له مستقبل زاهر في رسم الكاريكاتير.. فأشار الزملاء له باتجاهي، باني صاحب هذه الرسومات الناضجة.
كان ذلك أول لقاء شخصي مع الفنان الراحل مؤيد نعمة، رغم اني قد تعرفت على ابداعه الفني منذ بدايته في السبعينيات، ثم توالت اللقاءات بيننا من خلال مشاركتنا الجماعية في المعارض المتخصصة لفن الكاريكاتير، التي كانت تنظمها نقابة الصحفيين العراقيين، أو دائرة الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة، لتصبح فيما بعد علاقتنا، علاقة الطالب بالاستاذ وزملاء وأصدقاء .. وقد أتسمت جميع لقاءاتنا بالود والاحترام العالي المتبادل، فضلاً عن آرائه التقويمية في رسوماتي وتجربتي مع فن الكاريكاتير.
ذات مرة رسم صورة كاريكاتيرية (بورتريت) لشخصية راحلة، فوددت منه ان يرسم صورتي بريشته الساخرة، فتبسم مازحاً قائلاً لي: عندما سترحل سأرسمك!.
هكذا.. رحل، مؤيد نعمة، الفنان والصديق والزميل والاستاذ، الى الآجل المحتوم يوم 27/11/2005، لتسقط ورقة خضراء نضرة من شجرة الكاريكاتير العراقي والعربي الباسقة.
(البـداية)
في احدى بيوتات محلة الحاج فتحي الشعبية، التي تقع وسط بغداد، كانت ولادته عام 1951، وكانت أول محطة طفولته العفوية الذي جسد فيها مؤيد نعمة خطوطه على جدران بيوتها القديمة، ثم ليبهر معلميه في درس الرسم في مرحلة دراسته الابتدائية، ويتلقى منهم التشجيع والثناء.
وفي مرحلة المتوسطة، تنتقل عائلته الى منطقة الزعفرانية في ضواحي بغداد الغنية بالبساتين الكثيفة والمزارع المخضرة، التي أغرته بجمالها وألوانها، لينهل منها رسوماته الطبيعية .. فضلاً عن تعدد سفراته الشخصية أو العائلية للاماكن الطبيعية الاخرى المجاورة لبغداد، والمدن الآثارية، لينعكس ذلك ي واقعياته المرسومة في دفتره المدرسي البسيط.
وقد زامن حبه للرسم ذلك، متابعة محتويات مكتبة والده الثقافية، الذي كان لوالده الفضل الكبير باختياره الكتب التي تتماشى مع ذهنيته العمرية وموهبته.
وتبدأ مطالعته في الصحف والمجلات، ليطالع رسومها وموضوعاتها، ويبدأ مزاولة رسم الكاريكتير.. وكانت دهشته عظيمة جداً، وهو يرى أحد رسوماته السياسية الساخرة منشورة على غلاف مجلة (المتفرج) الفكاهية عام 1967، وكان موضوع الرسم يمثل تمثال (الحرية) في أميركا، وقد حمل قنبلة نابالم بدلاً من مشعل الحرية، حيث كان مؤيد وقتذاك، طالباً في الصف الرابع الاعدادي، وكانت رغبة والده ان يكون طبيباً، إلأ أن ذلك الغلاف وهوايته المفرطة للفن ولرسم الكاريكاتير خصوصاً، كان سبباً مقنعاً وحتمياً لدخوله معهد الفنون الجميلة / قسم الرسم (خريج عام 1971)، ليواصل بعد ذلك مسيرته الرحبة والشاقة في عالم الكاريكاتير.
وفي عام 1969، دعي الفنان مؤيد نعمة، ومجموعة من الفنانين الشباب للعمل في مجلة (مجلتي) للاطفال، ثم (المزمار) في بداية اصدارهما، وكانت هذه التجربة بالنسبة لمسيرته، جديدة ولذيذة، حيث لعبت دوراً مهماً وبارزاً في تطوير واظهار تجارب وأساليب فنية عديدة، قد طرقها الفنان مؤيد نعمة، ولتضيف له هذه الممارسة رصيداً كبيراً وواضحاً في عمله الصحفي المتنوع، مابين رسم الافكار السياسية والاجتماعية الساخنة التي تطفو على سطح الساحة المحلية أو الدولية، وبين الولوج في عالم البراءة والطفولة، لينجز عشرات الاعمال الابداعية، مابين سيناريوهات وكتيبات، التي تخص الاطفال، بل ليكون من أوائل أبرز المؤسسين الجادين لصحافة ورسوم الاطفال في العراق.
يرى الفنان مؤيد نعمة، في موضوع علاقة الكاريكاتير ورسوم الاطفال: رسام الكاريكاتير يجوز لاعلاقة له برسوم الاطفال، ولكن عندنا في العراق، كل رسامي الكاريكاتير رسموا للاطفال، ولكن ليس كل رسامي الاطفال رسموا الكاريكاتير.. الكاريكاتير فن، والرسوم للاطفال فن، بل هو عالم خاص ورائع.. هذا الفن – الرسم للاطفال – تطور عندنا في العراق كثيراً وأصبح مدرسة تقودها دائرة ثقافة الاطفال.
عام 1972، بدأ مؤيد نعمة يرسم لمجلة (ألف باء) بشكل اسبوعي ومتواصل، بالاضافة الى رسومه للاطفال والصحافة اليومية، ومنها جريدة طريق الشعب، الذي انتمى لكادرها عام 1973، لحين توقفها عام 1979.
وفي عام 1973، ساهم مع كل من الفنانين بسام فرج وأديب مكي، في رسم وتصميم أول فيلم كارتوني عراقي بعنوان (لعبة القدم الامريكية) الذي أنتجته مؤسسة السينما والمسرح، ومن اخراج الفنان فكتور حداد، وقد حاز هذا الفيلم على الجائزة التقديرية في مهرجان أفلام فلسطين الثاني، الذي أقيم في بغداد.
وكانت لمؤيد نعمة، أول مشاركة دولية له في مسابقة (بينالة كابروفو) البلغارية عام 1972، الذي أقيم تحت عنوان (العالم مازال يحيا، لانه يضحك)، وقد حصد الجائزة الثالثة عام 1979، في نفس المسابقة، وعلى أثر ذلك أصبح للعراق جناح خاص في هذه المسابقة، مشاركة مع زميله الفنان بسام فرج، فضلاً عن مشاركاته الدولية العديدة في كوبا ويوغسلافيا وبلجيكا واليابان وتركيا ...
شارك مع مجموعة من فناني الكاريكاتير في تأسيس أول تجمع (لرسامي الكاريكاتير العراقيين) الذين أقاموا معرضين عامي 1975و 1967، وقد ضم هذا التجمع كل من الفنانين (نزار سليم وبسام فرج ومؤيد نعمة وضياء الحجار وعبد الرحيم ياسر وموسى الخميسي).
لم يكتف فناننا مؤيد نعمة، بكل هذه النشاطات الفنية اليومية المتواصلة ليل نهار، بل راح يكمل مشواره (الدراسي / العلمي) في دخوله أكاديمية الفنون الجميلة (بكالوريوس عام 1977)، ولكن هذه المرة أنتسب لقسم الخزف (السيراميك)، وكان لابد أن يطرق باب هذا الفن الجديد لمسيرته ليوظفه أيضاً لصالح فن الكاريكاتير.
فكان مؤيد نعمة، أول فنان عراقي وعربي، يوظف الكاريكاتير في فن النحت الخزفي، وذلك لصعوبة تمازج هكذا ابداعان في عملية واحدة تقنياً، وقد شجعه في المضي قدماً بهذا الاتجاه هو الفنان إسماعيل تاح الترك، فقد جسد عدة تماثيل خزفية (بورتريت) لعدد من أساتذته في الاكاديمية أمثال: فائق حسن وسعد شاكر ومحمد غني حكمت وكاظم حيدر وفرج عبو .. وأخرون، كما له مشاركات دولية عديدة بهذا التخصص لاحقاً.
عام 1991، أستقرت رسومات مؤيد نعمة على الصفحة الاخيرة لجريدة الجمهورية بشكل يومي، حيث لاقت صدى واسعاً على الساحة الاعلامية والصحفية خارج العراق وداخله، فضلاً عن الرسومات الاخرى في مجلة (الف باء) الاسبوعية، تحت عنوان (طبق الاصل) و (رجال ونساء)، وقد أتسمت جميع رسوماته باللمسة (السياسية / الاجتماعية) الممزوجة مع بعضها البعض، ان صح التعبير.
وفي عام 1991، أنتخب من قبل زملائه رسامي الصحف، لرئاسة جمعية الكاريكاتير في نقابة الصحفيين العراقيين.
وظل الفنان مؤيد نعمة، يتواصل دون كلل أو ملل مع ابداعه الكثيف والمستمر في فن الكاريكاتير، ورسوم الاطفال، ومابين تدريسه ورئاسته لقسم الخزف في معهد الفنون والحرف الشعبية، والنشر لصالح عدة صحف محلية يومية بعد الاحتلال عام 2003، لغاية توقف نبض قلبه دون ارادته .. لتطوى صفحة زاخرة بالابداع والتجدد الفني والرؤيوي، من صفحات مشهد انجازنا التشكيلي والاعلامي، نحن بأمس الحاجة اليه في ساحة المواجهة المصيرية التي نعيشها الآن.

المرفقات: 

معرض الصور

التعليقات