كانوا، وكنّا .........

الكاتب:
عصام حسن.
قيم هذا الموضوع: 
لا يوجد تقييمات

جميعنا يتذكر كيف كان - وما زال - يُجَرّب المايكروفون في الحفلات وكيف تُطْلق مع صفير المايكروفون الرهيب العبارة الشهيرة المحفورة - ولا بد - في أذهان الجميع كأنها أغنية تراثية أو نشيد وطني. واحد، واحد، تيست، تيست، تيست. صديقنا أيام المدرسة كانت تستفزه هذه التيست لذا كان يصعد المنصة قبل بدء الاحتفال، يمسك المايكروفون ويقول بسخرية تثير الإعجاب: ولا واحد، ولا واحد، ولا شي، صفر، مَشْ، هس، ولا كلمة. كان البعض يقع أرضاً من شدة الضحك وكانت فقرة صديقنا البسيطة في تجريب الصوت أمتع شيء حصل أمامي في كل الاحتفالات المدرسية التي أذكرها حيث كنا نقف بعدها مصلوبين تحت أشعة الشمس أو في البرد نستمع لخطب وكلمات لا نفقه شيئاً منها وكنَّا ننتظر بلهفة وقت التصفيق فننتهز الفرصة لكسر جو الكآبة ونتمادى بالتصفيق والهتاف.

أحد معارفي الأكبر مني سناً روى لي كيف كانت تصله هذه الهتافات في بيته المجاور للمدرسة وكيف كانت تترافق بعض أفعاله في البيت مع التصفيق والهتاف بشكل يثير الضحك. مثلاً وعلى ذمته: حدث مرة أن انفجر التصفيق لحظة فتحه باب الحمام ثم تكرر لحظة خروجه منه بعد أن قضى حاجته، فأخذ يضحك وأفراد عائلته ويحييهم بجدية جعلتهم يبكون من شدة الضحك وفي مناسبة أخرى كانت هناك مشادة بينه وبين ابنه المراهق وفي اللحظة التي فقد فيها أعصابه وصفعه على غير عادته تعالى صوت التصفيق من الخارج كأنه يحييه على فعلته الشنيعة تلك. أما الحادثة التي لم أصدقها والتي كدت أسأل زوجته عن صحتها لولا الإحراج هي عندما روى لي كيف صدح صوت عريف الحفل بالعبارة السحرية تيست، تيست، تيست لحظة وضعه الكوندوم فغلبه الضحك لدرجة أنه وزوجته عدلا عن الفكرة نهائياً وقررا شرب المتَّه على

الشرفة والاستمتاع بالاحتفال "لايف".

كانت عبارة "أيها الأخوة" في بدء كل احتفال تجعل بعض الطلاب يرددون بصوت خفيض وراء المتكلم "طيزكم رخوة" كنا صغاراً، كان عمرنا يدعونا إلى المرح والتسلية والانعتاق. كانت قلوبنا تخفق لأتفه الأسباب. كانوا يصرّون على لجم كل حركة توحي بالانزياح أو الانفلات. كانت أقلامنا في أيدينا مجاديف وكانوا يريدونها رايات. كنا نسوراً ننشد الطيران وانوا يريدوننا دجاجات نقَّاقات بيَّاضات. كنا نريد الغجري من الغناء وكانوا يريدون منا الهتاف موزون الثغاء. كنا نريد الرقص في البراري مع العصافير والفراشات وكانوا يريدون لأقدامنا أن تلهب الإسفلت في الساحات. كنا نريد أن نعانق الشمس وكانوا يحجبوها عنا بالخطب والأوراق. كنا نريد الموت حباً وكانوا بغبائهم يهبونا الحياة. كنا نريد الركض في السهول والغابات بصدورنا المفتوحة على المشتهى من المجهول وكانوا يضعون البرامج ويرشدونا إلى حقيقتهم بلا جدال. باختصار كنا المستقبل الموعود وكانوا الماضي الذي فات. وباختصار الاختصار صرنا جيل المخصيين بلا حياء. واليوم صرنا الحاضر الذي يستغرب فحولة البعض ويمجد الاخصاء - نقطة انتهى، أولادنا صاروا هنا - كسروا كل هذا كما كسرتُ بجملتي الأخيرة سياق هذا النص.

معرض الصور