توفيق الكوكي ... اختراعات جديدة في فن الكاريكاتير

قيم هذا الموضوع: 
Average: 4.5 (2 votes)

فنان الكاريكاتير التونسي توفيق الكوكي من مواليد عام 1956، يدير فضاء رواق الفنون في ضاحية بن عروس منذ ما قبل الثورة التونسية، و هي مؤسسة تابعة لوزارة الثقافة التونسية، أسس مع زملاء له اتحاد فناني الكاريكاتير و الاشرطة المرسومة في تونس، و يتوى رئاسته، التقاه الأستاذ شوقي بن حسن و أجرى معه اللقاء التالي:
- توفيق الكوكي فنان عصامي بالأساس، كيف شكلت وعيك الفني؟
أنا أؤمن بالثقافة و بالرؤيا الجاحظية، أي الأخذ من كل شيء طرف، علاوة على مثابرتي و اشتغالي الكبير على تقنيات الرسم والفنون التشكيلية، أنا قارئ كبير في مجالات متعددة، أقرأ في الاقتصاد، في السياسة و الأدب كما أتابع كل المستجدات العالمية، في السنوات الأخيرة أشبعت الكثير من رغبتي في المعرفة عبر الانترنت.
- أنت معروف في عالم الأشرطة المرسومة (الكومكس)، فكيف مررت نحو الكاريكاتير؟
بدأت مشواري في الكاريكاتير والأشرطة المرسومة في نفس الوقت، ففي سنة 1979 بدأت النشر في مجلة "العلم والتعليم" ، هذه التجربة لاقت نجاح منذ البداية، فأقمت معرض شخصي سنة 1979 تنقل بين مختلف دور الثقافة في تونس، و في سنة 1981 دخلت الميدان الصحفي حيث عملت في جريدة البيان التونسية، وكانت تجربة مهمة إذ أوكلت لي مسؤولية كبيرة وهي رسم كاريكاتير الصفحة الأولى، وأقدمت على هذه المغامرة وتطرقت لشخصيات هامة وقتها يتردد الكثيرون في المساس بها.
 - حدثنا عن تجربتك في رسوم الطفل ؟
حاولت تطوير الكاريكاتير ليصبح غذاء فكريا لدى الناشئة، فابتكرت الكاريكاتير ثلاثي الأبعاد، كان ذلك سنة 1996، جاءتني الفكرة حين لاحظت أن الطفل يحبذ الدمى والأشياء الملموسة، فكيفت بين الكاريكاتير الساخر والرمزي وما يريده الطفل على المستوى الشكلي، و ذلك بعد ان راكمت تجربة كبيرة مع الأطفال حين تعاملت معهم في الأشرطة المرسومة ... أغلب الأطفال يعرفونني عبر أشرطتي المرسومة في مجلة "قوس قزح" ومجلات أخرى.
منذ البداية كانت لدي قناعة بأن تغيير المجتمع هو في بساطة تغيير الطفل، وحين أصبح النظام يضيّق عليّ الخناق في فترة كان النظام برمته يحارب الكاريكاتيريست، تحوّلت إلى القناعة ان المفرّ الوحيد لمواصلة الابداع هي في تعليم الطفل الابتسامة، فعدد من الأطفال الذين تابعوا رسوماتي في مجلة "قوس قزح" أصبحوا اليوم رسامي كاركاتير.  
- يبدو أنك تعرضت لكثير من المضايقات ؟
كانت بداية تعريض نفسي لغضب السلطات متزامنة مع ما يعرف بانتفاضة الخبز في تونس، المسؤولون الثقافيون والأمنيّون يعلمون أن الفنان يتمتع بالحاسة السادسة وخافوا أن تنتقل العدوى للشعب،  ففي أواخر سنة 1983 قدمت معرضا تنبأت بعض رسوماته بما سيحصل في تونس، فانتقدت غلاء المعيشة باستعمال رمزي الخبز والطنجرة (قدر الطبخ)، ثم في التسعينات، كان هناك شبه حراسة رسمية على شخصي، وكانت تعيينات المسؤولين في الفضاءات التي أديرها على مقاسي.
- تقول ان لديك ابتكارات في فن الكاريكاتير، حدثنا عنها
مثلما فعلت حين طوّعت فن الكاريكاتير للطفل، بحثت عن طرق لإيصال العمل الفني سواء لوحة أو رسم كاريكاتيري إلى المتلقي دون أن يأتي إلى صالة العرض، أردت أن يذهب العمل للمتلقي وهو جالس في المقهى أو ذاهب للمدرسة أو و هو يقود سيارته، استغلال الفضاءات العمومية للعمل الثقافي كان أحد الشواغل التي سكنتني، وهو ما حققته فعليا حين قمت باستغلال حملة ضد التدخين، فعرضت فكرة مبتكرة وهي توفير أسطول دراجات (حوالي 15 شخص) يرتدي كل دراج لوحة من الأمام وأخرى من الخلف تحمل كل واحدة صورة كاريكاتيرية ذات بعد توعوي.
- هل تعدد لنا هذه التقنيات التي اخترعتها و وظفتها في فن الكاريكاتير؟
الكاريكاتير المنعكس: وهو عبارة عن رسم كاريكاتيري على ورق مقوّى، يكون على الجهتين، يتم وضعه في علبة مجهزة بمرآة بحيث أن المشاهد يرى في الواجهة رسما كاريكاتيريا فيما يرى في المرآة بعدا رمزيا أو قراءة له، وهي طريقة تمكّن من وضع ظاهر وباطن الموضوع الذي يتناوله الكاريكاتير في نفس العمل.
الكاريكاتير بالنجاتيف: هو نمط يكون فيه الورق الأسود محمل الرسم الكاريكاتيري ويستعمل الحبر الصيني الأبيض، الكاريكاتير بالنيجاتيف له بعد رمزي، إذ استعملتها للتعبير على أحداث سنة 2013 التي تعتبر سنة سوداء بالنسبة للمواطن التونسي، للأسف لم يحظ هذا النمط الجديد بتغطية إعلامية.
الكاريكاتير العائم: هي فكرة استلهمتها من هنيبعل حين أراد عبور البحر الأبيض المتوسط بجيشه الذي يحتوي على عدد كبير من الفيلة، فاستعمل طوافات عملاقة، الكاريكاتير العائم عبارة عن طوافة خشبية صغيرة تلصق بها قارورتان بلاستيكيتان، وعمود صغير، وقد استعملتها في عدد من النزل حيث يوضع الرسم الكاريكاتيري في العوامة المصغرة ويلقى به في المسبح مع السياح.
- تبدو لديك خاصيات المهندس؟
هذا هو الأصل في الرسام، ألم يكن ليوناردو دافينشي كذلك؟ ذات مرة زارني وفد سويسري وحين شاهدوا ابتكاراتي فوجئوا أن تونسيا فعل كل ذلك، فقلت لهم: "لا تندهشوا، لا تنسوا أننا أحفاد هنيبعل: أذكى رجل في عصره، وقد جاءكم هو أيضا عبر الطوافات".
- يبدو الكاريكاتير مكبّلا بعض الشيء في تونس، رغم أن جميع الظروف مهيأة لانتشاره وتطوره، فما الذي يعيق تطور هذا الفن؟
أول محمل يسير فوقه الإبداع بصفة عامة هو حرية التعبير، و نحن في تونس أضعنا سنوات ثمينة من تاريخنا ونحن مكممي الأفواه، من الناحية الكمية خطونا خطوات كثيرة إلى الأمام بعد الثورة، وأصبح الكاريكاتير متنفسا لكل الناس و لكن مازال لدينا الكثير علينا أن نحققه.
- ماذا تفسر تفوق تجارب فناني الكاريكاتير في المغرب والجزائر عن تونس؟
الجزائر تعرف تجربة متقدمة للغاية، لقد فهموا قبلنا اللعبة و أن السر هو في فسح المجال أكثر لحرية التعبير، و بالتالي تطورت تجربتهم وتجاوزتنا بمراحل، سأعطيك إحدى الحالات العجيبة التي حدثت في تونس، فقد أقيم في الولايات المتحدة الامريكية في السنة الماضية مهرجان عالمي للكاريكاتير، ولكن وزارة الثقافة لم تتجشم عناء إعلامنا، لذلك لم يشارك أي فنان تونسي بينما شارك فنانون من كامل بلدان العالم العربي *، لذلك سيكون الهيكل الجديد الذي أنجزناه، في اتحاد فناني الكاريكاتير والأشرطة المرسومة، ممثلا نستطيع من خلاله أن نشارك في السنة المقبلة في هذا المهرجان
- ما هي أهداف اتحاد فناني الكاريكاتير والاشرطة المرسومة الذي تترأسه؟
من ناحية المضمون، هدفنا هو نشر ثقافة فن الكاريكاتير، أما في الجانب الإجرائي فهو إنشاء جهة تمثل رسامي الكاريكاتير التونسيين في العالم، و توفير فرصة للشباب المهتم بهذا الفن لكي يختلط بمختلف الرسامين من كل الأجيال، مما سيتيح مجالا كبيرا لمراكمة الخبرة ... الاتحاد بعبارة أخرى يريد أن يكسر أنانية الرسام و هي ظاهرة نخرت هذا الحقل الفني لعشرات السنوات.
- بالإمكانيات المتوفرة هل يمكن الوصول للأهداف المرسومة؟
لا أخفي عليك أن الموارد قليلة للغاية، ولكنني بطبيعتي أؤمن أن الطاقات والكفاءات قادرة على تحقيق كل الأهداف وأنا مطمئن على الاتحاد من هذا الجانب.
- كيف ترى المواهب الصاعدة في فن الكاريكاتير التونسي؟
راض إلى حد ما، ولكن عليهم أن يشتغلوا لمزيد من الاتقان، عليهم أن يدركوا أنهم محظوظون، فقد توفرت لديهم فرصة لم يحظ بها أبناء جيلي، وهي مساحة حرية التعبير.
- حسب تقديرك، كم عدد رسامي الكاريكاتير في تونس؟
أغلبهم من الهواة وينشطون غالبا في فضاء الفيسبوك، أقدر عددهم بقرابة 70.
- و كم عدد أعضاء الاتحاد؟
لازلنا في طور التكوين ... أنا أعددت لكل رسامي الكاريكاتير بطاقات عضوية ... كما أننا نستقبل كل طلبات العضوية ... هناك 10 رسامين في الهيئة المديرة ... هذا الاتحاد لا يوجد فيه اقصاء، الا لمن يقصي نفسه.
- فنانون لا نجدهم في الاتحاد، لماذا؟
بالنسبة للصديق رشيد الرحموني،  يبدو أنه في البداية لم يأخذ المسألة بجدية، وتصوّر أن عدم وجوده في الهيأة المديرة يعني أنه مقصي وهذا غير صحيح، وضحت له أنه لن يضيف الكثير من موقع الهيأة المديرة و أوضحت للجميع أن العمل الجماعي وحده قادر على إعطاء الإضافة.
- توفيق عمران والشاذلي بلخامسة وعبد القادر مسعود ليسوا من بين الأعضاء أيضاً؟
كلهم سيكونون بيننا بإذن الله، هي مسألة وقت.
- كيف ترى تجربة رسام الكاريكاتير المجهول "زاد" ؟
في الحقيقة ليس لي به اتصال، أعرف نشاطاته عبر الانترنيت وقد اشتغل قبل الثورة ... والاتحاد له دعوة لكل الرسامين للخروج من إطار الفيسبوك إلى العلن والاحتكاك بالناس، نحن نطمح لإنشاء جريدة ساخرة يؤثثها مختلف الرسامين.
- ما هو رأيك في تجربة الفنانة نادية الخياري وقطها "وليس"؟
أنا أؤمن بالحظ، وأجد أنه كان لها ضربة حظ جيدة، فانفتحت لها جسور التسويق في فرنسا بفضل زوجها الفرنسي، أدعوها فقط أن تفتح الأبواب لزملائها، وهنا أستحضر سببا آخر لتفوّق الجزائريين على التونسيين في ميدان الكاريكاتير، لأن الجزائريين في فرنسا ملتحمون بالرسامين في الجزائر.
- هناك مهرجان للكاريكاتير العربي أعلن عنه منذ اكثر سنة هنا في تونس، ماذا تعرف عن هذا المشروع المتعثر؟
هذا الموضوع فيه شيء من التلاعب داخل أروقة وزارة الثقافة، وهي قصة مرتبطة برسام مقرّب من النظام السابق دخل في هذا المشروع، ثم علم الوزير السابق مهدي المبروك بذلك فتحفظ على اسمه، وظلت ليلى العياري مديرة المهرجان تتابع المشروع، رغم انه طالتها الكثير من الاشاعات وبقي المشروع معلقا.
- في الختام نعود إلى الميدان الفني، هل تستفيد من التقنيات التي يوفرها الكمبيوتر؟
مبدئيا أحبّذ العمل اليدوي على الرسومات، وكنت في سنوات الثمانينات والتسعينات أقدّم رسوماتي بدون أي روتوش وكانت في غاية الاتقان، في السنوات الأخيرة اكتشفت عدة امكانيات يتيحها العمل باستعمال البرمجيات، رغم ذلك لازلت أدافع عن الرسم الكاريكاتيري اليدوي ليبقى عملا فنيا بمعنى الكلمة.
أؤمن بالبساطة التي في فن الكاريكاتير، علاوة على الحفاظ على عناصر الإتقان الأكاديمي، ولدي مقياس لا يخطأ هو تجاوب الأطفال مع الرسومات.

* ليس لدى موقع بيت الكرتون أي علم بالمهرجان الذي تحدث عنه الفنان.

المرفقات: 

معرض الصور