إل خُوفِيس ... شغب يوم الخميس

قيم هذا الموضوع: 
Average: 5 (1 vote)
خوسيه لويس مارتن
في العام 1977 أثار فنان الكاريكاتير الكتالوني (خُوسيه لويس مَارتِن زابالا) زوبعة عندما أصدر سلسلة كتبه الكاريكاتيرية المعنونة بـ(Quico el progre.)  التي قام فيها برسم يوميات (إله) لديه هوايات وأشياء روتينية يقوم بها كأي إنسان عادي، ورسم من عالم ذلك الـ(إله) الكثير من الأنبياء كـ (المسيح) و(موسي) و(مُحَمّد) ورسم الكثير من الشخصيات التوراتية كـ(بُولِس) و (يُوحنّا) و(مريم العذراء)، وصوّر شخصيات مقدسة من ديانات أخري كـ(بوذا) و(كُونّفوشيوس)، ورسم الجدل العبثي المستمر لذلك الإله مع فلاسفة وعلماء أمثال (فردريك نيتشهْ) و (غَالِيلو). وفي الكتاب سخر من بابا الفاتيكان (يوحنّا بُولِس الثاني) ومن كل من أستطاع رسمهم من شخصيات!
تسبب هذا الكتاب في تقديم (مَارتِن) للعديد من المحاكمات بتهمة الإساءة للكنيسة الكاثوليكية، ولكن لم تستطع أي محكمة إدانة الفنان الإسباني الذي نقلت عنه صحيفة (آل باييس) أثناء محاكمته الثالثة عام 1984 وصفه للكتاب بأنه "... يقدم رؤية جديدة للإنجيل!"
قام (مارتن) بالاستفادة من نجاح الكتاب بتحويله إلي برنامج تلفزيوني ناجح بأسم (Ouico)، وكذلك بنشر رسومات يومية للشخصية في الـ(إل بِيرّيِوديكو دي كَتَالونيا)؛ ثاني أكبر الصحف انتشارا في الإقليم بعد صحيفة (لافانغوارديا). بعد نجاح سلسلته الأولى قام "مَارتِن" بإصدار مجلة (El Dios)؛ أو (الأيام)، وهي مجلة كاريكاتيرية ساخرة حققت رواجاً كبيراً عقب صدورها، وتميزت المجلة بخلوها من أي تعليق علي الرسومات.
وفي ذات العام قرر "مَارتِن" مواصلة شغبه المجنون ومتابعة نجاحاته فأتفق مع الكاتب والرسام (غُوداي سَالاْس) علي مشروع فني جديد، قرر الأثنان أن يحررا مجلة غير الاعتيادية في ميعاد صدور غير اعتيادي، فالكثير من مجلات الكاريكاتير والكوميكس في إسبانيا كـ(أومّبْري) و (سَارّفان) و (إل مِرّثِنَاريو)، و(بُووغي) تصدر يومي السبت والأحد، ولكن الصديقان الكتالونيان قررا أن تصدر مجلتهما الجديدة كل يوم خميس من مدينة (بَرّشَلُونْة)، وأن يكون أسمها الكامل:
"El Jueves, la revista que sale los Miércoles”
و التي تعني: "إل خُوفِيس، المجلة التي تصدر يوم الأربعاء""إذا حملتِ فسوف يكون هذا هو العمل الوحيد الذي أنجح في القيام به طوال حياتي!"

في اللغة الإسبانية (إل خُوفِيس) تعني حرفياً (يوم الخميس)، وهي المجلة التي صارت بعد صدورها محط أنظار كل محبي الكاريكاتير والمقالات الساخرة في إسبانيا، وعلي مر السنين حافظت المجلة علي خطها المشاغب ونقدها اللاذع للجميع، فتقريباً، قامت المجلة بنقد كل الحكومات التي تعاقبت علي حكم إسبانيا بعد موت الجنرال (فرانشِيسّكو فرانّكو) وانتهاء حكم الـ(فِلانَجْي) الفاشستي الذي أُعلن بعده عودة حكم الملكية الدستورية للبلاد، فكانت المجلة تستهدف كل الحكومات، سواء كانت ذات ميول يسارية أو يمنية، وعلي أغلفتها ساوت المجلة في النقد الاذع بين رئيس الوزراء (خوسيه ماريا آثنار) ذو التوجهات اليمينية مع (خُوسِيه لويس ثَباتِيرو) الذي ينتمي إلي التيار الاشتراكي، وانتقدت المجلة بقسوة سقطات جورج بوش، ورسمت الرئيس الفرنسي (نِيكولا سَارْكُوزي) وزوجته (كَارْلا بَرُونْو) عرايا علي غلافها، ورسمت رئيس الوزراء البريطاني (تُوني بلير) علي هيئة جرو صغير يتقافز فرحاً وراء الرئيس الأمريكي السائر نحو غزو العراق بحماس طفولي منقطع النظير!! النقد اللاذع واللئيم للسياسيين هو ملخص تاريخ (إل خُوفِيس)!
بعد حلول الذكري الثلاثين لتأسيس المجلة لم ير المحررون بأن (إل خُوفِيس) قد بلغت عمراً ينبغي بعده أن تصدر بشكل أكثر وداً وبرصانة تناسب المرحلة فاختاروا أن يواصلوا المسير في طريق مشاكساتهم ومناوشاتهم للحكومة والمعارضة في إسبانيا والسياسيين في أوروبا والعالم، فوصلت دعاباتهم التي لا تحتمل إلي العائلة الملكية نفسها؛ وذلك عندما قام رساما الكاريكاتير (غِلّمْارو تُوريس) و (مَانِيل فانْتِدفيلا) بتصوير أبن الملك (خُوانْ كَارّلْوس)؛ الأمير (فِليبّي) ولى العهد وأمير أستورياس؛ وزوجته الأميرة (لِيتيزيا) وهما يمارسان الجنس علي غلاف المجلة الأكثر انتشارا في إسبانيا!
وآثار العدد ضجة كبيرة عند صدوره يوم 24 يوليو من العام 2007، وسارع القراء لإقتناء هذا العدد من المجلة، وسريعاً قامت السلطات بمصادرة ذلك العدد عن طريق الشرطة الإسبانية وتمشيط البلاد طولاً وعرضاً لإيقاف تداول هذا العدد، وحالاً تم إيقاف الموقع الإلكتروني، وفي يوم 13 نوفمبر من نفس العام تمت محاكمة رسامي الكاريكاتير الأثنين فأصدرت المحكمة عليها حكماً بعد أن وجدتهما مذنباً بتهمة إهانة التاج الملكي بالغرامة مبلغ 3000 يورو لكلاً منهما. الرسم الكاريكاتيري كان تعليقاً علي قرار الحكومة الإسبانية بمنح كل أسرة مبلغ 2500 يورو لكل مولود جديد لديها، وفي الرسم كان الأمير (فيليبي) يقول للأميرة  (لِيتيزيا أُورتيز):
مبلغ الغرامة الذي دفعه (غِلّمْارو تُوريس) و (مَانيل فانتدفيلا) يزيد قليلاً عن منحة الحكومة الإسبانية التي قررتها للمواليد الجدد، ولكن هذه الغرامة جعلت المسيرة للرسامين تُولد من جديد؛ فقد أصبحا أشهر رسامي المجلة الذين تسببوا في مصادرة عدد من أعداد مجلة (إل خُوفِيس)!
في (إل خوفيس) يرفع طاقم التحرير شعار: بأن ... "لا أحد فوق النقد"، وعليه قاموا بتصوير البابا (بنِيديكْتوس السادس عشر) في عدة أغلفة لا تحصي، وبلغت هذه الأغلفة ذروتها أثناء دفاعه المستميت عن الفاتيكان إبان فضيحة تحرش القساوسة بالأطفال، ووضعت المجلة علي أغلفتها رسومات تنتقد بقسوة الحركات الإسلامية الراديكالية!
المجلة لم تراع أحد عنده توجيه سهام النقد، فهي لم تكترث لمشاعر محبي (مَايكل جَاكسون) عندما مات فرسموه علي غلاف المجلة وهو يقدم إثبات هويته لدخول الجنة، ولكن الإله اعترض علي دخوله بحجة أن الصور الموجودة في الهوية لا تشبه الوجه الذي أمامه! أنهم ينتقدون (مَايِكل جَاكسون) علي تغييره لون جلده وملامح وجهه عن طريق العمليات الجراحية، سخروا منه وأشبعوه تنكيتاً في صفحات المجلة كما انتقد البعض (مَايكل جَاكسون) عندما غير لون بشرته في نهاية الثمانيات، وها هم يقتلونه تنكيتاً وتقريعاً ثانية، ولكن هذا المرة بعد موته. يا لهؤلاء الكتالونيين!!!
والأسلوب الفني للرسومات يكون غالباً علي شكل الـ(كوميك ستريب)، ويكون موضوع الدكتاتورية والحكم البيروقراطي موضوع العدد ربع السنوي الخاص والذي يكون في حجم 120 صفحة. بعد السياسة يأتي موضوع الدين كثاني أحد أكثر المواضيع التي تتناولها المجلة بشكل راتب، وتخصص المجلة قسماً كبيراً من صفحاتها للرسومات المتعلقة بموضوع الجنس. وعلي هذا النسق نري بأن المجلة خرقت عن سبق الإصرار
والترصد، وبعنف، التابوهات الثلاثة في الصحافة، السياسة والدين والجنس
قبل أيام اختتمت المجلة 35 عاماً من الرسومات الكاريكاتيرية اللاذعة والمقالات الساخرة، وعلي ما يبدو بأن المجلة التي تضع (مهرجاً عارياً) كأيقونة لها لن تحيد عن خطها المشاكس، ويبدو بأن جماهير القراء يعشون الشغب الذي تعبئ به المجلة صفحاتها قبل أن تطلقه في الأسواق كل يوم خميس، فمبيعات المجلة المتصاعدة والتي وصلت مبيعاتها إلي ما يفوق الـ 130 مليون نسخة تدل علي عزم (خُوسيه لويس مَارتِن) وعصابته من الفنانين علي المضي حتي النهاية في انتقاد الجميع، وفي خرق كل المحظورات والتسلل خلف الخطوط الحمراء!
المرفقات: 

معرض الصور