أول مركز عربي لرسامين الكاريكاتير العرب , نرحب بأية ملاحظات أو إقتراحات على العنوان  

                      دور الرسوم الصحفيّة الساخرة في تشكيل الوعي بالأرض المحتلة

 "الرسوم المنشورة في صحيفة الأيّام الفلسطينية نموذجاً"

 

أ.د. على محمد عودة

جامعة القدس المفتوحة - فلسطين

بريد الكتروني :  aodh@qou.edu

جوال: 00972599413707


مدخــل:

في العقود الأخيرة لفتت الرسوم الساخرة التي تنشرها الصحف والمجلات، انتباه المراقبين والمحللين ، في كثير من بلدان العالم، واستطاع عدد من الفنانين أن يثير قضايا الشعوب، ويبرزها، من خلال رسوم ساخرة (كاريكاتير) لاذعة، مستوحاة من هواجس الشعوب وثقافتها. وفي وطننا العربي، ازداد الاهتمام بفن (الكاريكاتير) وبدوره فيما يجري بواقعنا من تطورات وتداعيات وتحديّات. ومنذ النصف الأخير من القرن الماضي، لمعت في سماء هذا الوطن أسماء لفنانين مرموقين، اكتسبوا تقديراً عالياً لفنّهم وانتمائهم، حين تميّزوا بقدرتهم الفائقة على التقاط الّلحظة الشعبية والتعبير عنها، من خلال حس عميق بهموم الفقراء والمقهورين. وقد برزت في هذا المجال أسماء: صلاح جاهين وصاروخان ومصطفى حسين وناجي العلي وبيكار وعلى فرزات وعبد لكّي ومحمد الزواوي وجحا.

وانطلاقاً من الوعي بدور الرسوم الساخرة في تشكيل الثقافة الجمعية، والتأثير في وعي الشعوب، فقد رأيت متابعة الرسوم الساخرة المنشورة في صحيفة الأيام الفلسطينية، لأنظر في دلالاتها وأفحص تأثيرها وتأثرها بالواقع الفلسطيني في الأرض المحتلة.

وقبل الشروع في الدراسة، أود أن أنّبه إلى الملاحظات المنهجية التالية:

لا تنهض هذه الدراسة على أسس فنيّة تخصصية، تتعلق بفن الرسم والفنون التشكيلية، ودراسة الألوان والخطوط والفضاءات والأحجام والأشكال، بل إن الدراسة تقتصر على متابعة المضامين التي تثيرها هذه الرسوم، للوقوف على التفاعل ونشوء حالة الوعي في الأرض المحتلة.

يعود اختياري لصحيفة الأيام والرسوم المنشورة فيها، إلى اعتقادي أنها (الصحيفة) أقرب الصحف الفلسطينية الرئيسية، إلى الموضوعية والبعد عن الحزبية. إضافة إلى تقدير هذه الصحيفة من قبل عدد كبير من المثقفين والأكاديميين والفنانيين.

كما أن الفنان بهاء البخاري ـ صاحب الرسوم المنشورة ـ تشرّف بتمثيل فلسطين في مؤتمر الكاريكاتير من أجل السلام، الذي نظمته الأمم المتحدة، تحت رعاية الأمين العام السابق، كوفي عنان في شهر ديسمبر 2006 وجاء اختياره تقديراً لرسومه، خاصة ذلك الرسم الشهير الذي يصوّر حمامة السلام الفلسطينية بخوذتها الحديدية وسترتها الواقية من الرصاص *.

 

تابعت الدراسة الرسـوم المنشـورة خـلال خمسة أشهر، تقع في الفترة من 20/9/2006 إلى 20/2/2007، وتبيّن أن ما نُشر من الرسوم بلغ مائة وأربعين رسماً ساخراً، فقمنا باختيار مجموعة معبّرة عنها، لصعوبة فحص جميع الرسوم، وبلغت المجموعة المعبّرة عن محاور الدراسة. أربعة وأربعين رسماًً ساخراً، وهي مجال متابعتنا ودراستنا.

يمنح الفنان بهاء البخاري شخصياته المعبّرة عن الإنسان الفلسطيني، ملامح فلسطينية واضحة، فالرجل الفلسطيني يتميّز ويُعرف من خلال كوفيته المنقوشة الرقيقة التي يربط بها رأسه، أما المرأة (وهي زوجته دائماً) فترتدي الثوب الفلسطيني التقليدي، بألوانه وزركشته المعروفة، كما أن المرأة تلفّ رأسها بمنديل أبيض، كما تفعل النسوة في معظم مدن وقرى ومخيمات فلسطين. وهكذا - كما فعل معظم فناني ورسامي (الكاريكاتير)- قّدم بهاء البخاري رسالته من خلال شخوصه التي امتلكت سماتها وهيئاتها، وأصبحت معروفة وناطقة بفنّّه ورسالته.

ويمكننا تقسيم القضايا والتفاعلات التي اعتنت الرسوم برصدها إلى:

أولاًًً: التفاعلات والتداعيات الفلسطينية الداخلية.

ثانياً: التطورات والمواقف الإقليمية والدولية.

ولا شك أن كلاً من هذين المحورين يتضمن فروعاً متفرقة.

أولاًًً: التفاعلات والتداعيات الفلسطينية الداخلية.

في الخامس والعشرين من شهر يناير 2006 فازت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في الانتخابات الفلسطينية، وتمتعت بأغلبية مريحة، أهّلتها لتشكيل حكومة فلسطينية جديدة. لكن الرياح لم تأتِ كما اشتهت "حماس"، ولا جاءت الرياح مواتية لأحلام الذين صوّتوا لبرنامجها، القائم على "الإصلاح والتغيير" والصمود ونشر الرخاء بدعم المليارات العربية والإسلامية" وفوجئت الحركة ـ ومعها الشعب الفلسطيني ـ أنّها مشلولة في دورها الوظيفي والسياسي والاجتماعي، فلم تمكنها ظروف الحصار الجائر من القيام بالإصلاح ولا إحداث التغيير المنشود ! ثم اكتشفت أن الشعارات والأمنيات والوعود شئ، والواقع ومكابدة الحكم وتلبية متطلبات الناس شيء آخر! لقد فرضت القوى الأجنبية حصاراً قاسياً، فامتثلت الحكومات والأنظمة العربية للأمر، ولم تدخل الدولارات والدنانير إلى الشعب الفلسطيني، فازداد الوضع الفلسطيني تدهوراً.

وواجهت حركة حماس مشكلة تشكيل حكومة وحدة وطنية، وتعثّرت سُبل الحوار الوطني مع مع الفرقاء الآخرين، ثم ازدادت الحالة الاقتصادية والأمنية تدهوراً، وتفاقمت آثار توقّف الرواتب وسرت آثاره السلبية في جسد المجتمع الفلسطيني، ثم وصلت الحالة الفلسطينية إلى أقصى درجات السوء بعد دخول المتصارعين إلى الاقتتال الداخلي، الأمر الذي أوجد حالة من الرعب وفقدان الأمن، إلى بدرجة لم يشهدها المجتمع الفلسطيني أثناء الاجتياحات الإسرائيلية!

تشكيل الحكومة وتعثّر الحوار الوطني.

بعد فشل حركة حماس في إقناع الفرقاء الآخرين بالمشاركة في حكومة وحدة وطنية، تحمّلت الحركة مسئولية إدارة الحكم وشئون الناس، وبدأت حملة إعلامية لتقوية موقفها والتصدّي للمراهنين على فشل هذه الحكومة. وأطلقت الحركة والحكومة شعارات استمرارها في الحكم حتى نهاية الفترة الشرعية التي فوّضها بها الشعب "الحكومة باقية لأربع سنوات كاملة غير منقوصة" و"حماس فازت وستبقى للأبد" و "على الشعب أن يتحمّل ويصبر ويصابر ويصمد ويضحّي من أجل الحكومة "الربّانية" و"الجوع ولا الركوع" إلى غير ذلك من التصريحات والشعارات! لكن أطفال فلسطين وتلاميذها لم يفهموا إستراتيجية التضحية بكل شيء من أجل الحكومة !.

في الرسم الساخر رقم (1) يلتقط الفنان بهاء البخاري حيرة التلاميذ والأطفال من تداخل الأمور في أذهانهم الصغيرة، ويعرض علينا ذلك في لوحة يوّجه فيها الفلسطيني إلى ابنه الصغير التلميذ السؤال المكتوب على السبورة أيضاً: "ما هو الشيء الذي تضحّي من أجله بالروح والدم والمال والتعليم والمستقبل" فيجيب التلميذ - الابن في حيرة وسخرية "الحكومة".

 

                                            رسم رقم 1

وأدركت حركة حماس أن هناك امتعاضاً شعبياً، فعادت إلى طرح فكرة حكومة الوحدة الوطنية، والحوار الوطني، لكن الفرقاء تشبثوا بمواقفهم السابقة، فتعقدت الأمور مرة أخرى، ليعبّر الفلسطيني الكادح، الصابر، عن هذه التعقيدات والتشابكات بطريقته. ومن خلال الرسم رقم (2) يحاول الفلسطيني الكادح المساهمة في فك العقدة، يُمسك طرف الحبل من لفّة الحبال الكبيرة وتمسك زوجته طرف الحبل من الجهة الأخرى، وكلّما سحب أحدهما جزءاً من الحبال تعقدت اللفة الكبيرة، وهنا يصاب الفلسطيني بالإحباط ويتأفف مقهوراً "إشي بيعقد" ! لقد ملّ هذه التعقيدات والاشتراطات والمناكفات ـ والأنانيات الحزبية!.

 

                                            رسم رقم 2

وتتوالى المحاولات والمبادرات والاجتهادات للخروج من أزمة الحكومة، وتطرح حكومة تكنوقراط، وحكومة مستقلين وحكومة كفاءات، ويتابع الرسم الساخر هذا كله ويرصده، ويحاول فك اللغز والخروج بالبدائل. تحت عنوان "محاولات واجتهادات" يختبر الفلسطيني زوجته التي شطبت حكومة الوحدة الوطنية كحل مطروح، لكنها تفشل في إيجاد البديل (الحل). ومما يلاحظ في الرسم رقم (3) أن المرأة الفلسطينية تصعد على السلم لتصل إلى الصرّاف الآلي - المكان الذي يستلم منه الموظفون رواتبهم- وتستخدمه سبّورة للامتحان الصعب، في إشارة واضحة إلى ربط مصير الموظف الفلسطيني وحياته، بمصير الحكومة المنشودة!

                                           رسم رقم 3

 

ومرة أخرى نصل إلى الطريق / الجدار المسدود، ينظر الفلسطيني إلى باب حكومة الوحدة الوطنية" ليجده في رسم رقم (4) مسدوداً ولا أثر له.

                                             رسم رقم 4

 

 

وتأتينا مرحلة "الاستدراكات" "والمحددات"، فيؤدي الفلسطيني وزوجته "امتحان المستدركات العامة" في الرسم رقم (5).

                                            رسم رقم 5

 

 

أما في الرسم رقم(6) فإنه يحاول إصلاح وترقيع "طاولة الحوار الفلسطيني" لكن الطاولة لم تعد تحتمل الإصلاح ـ مثل الفسطيني ـ والترقيع، فقد دعمها المواطن الفلسطيني وأصلحها بكل ما ملكت يداه: مكنسة البيت والملزمة وما توّفر لديه من حاجيات منزلية، ومفكّات. ينظر الفلسطيني إلى زوجته بعد أن تشققت طاولة الحوار، ويقول في يأس واضح " لا أنا ولا الطاولة عاد فينا نتحمّل الترقيع"!! وكان على جميع المتصارعين أن يلتفتوا إلى هذه الصرخة ! وإلى ما قد يتبعها من تداعيات!(6)

رسم رقم 6

وفي غمرة المداولات والحوارات يكتشف الفلسطيني بوعيه وحسّه المرهف، أن قرار تشكيل حكومة الوحدة الوطنية ليس في يد قيادة حماس بالأرض المحتلة، بل هو في مكان آخر وعند شخص آخر، فيغني لزوجته وللحكومة في رسم رقم (7) وللوحدة الوطنية "علشان الوحدة الوطنية لازم أغنّي عالأوف مشعل" في إشارة إلى أن قرار تشكيل الحكومة هو في يد السيد خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، والمقيم في دمشق ! (7)

رسم رقم 7

 

أخيراًً، تخرج وثيقة الأسرى، فنسميها (وثيقة الوفاق الوطني) ونأمل خيراً ونتفاءل، لكن الوثيقة تدخل في تفصيلات وملاحظات ومراجعات، ويغرق الفلسطيني في متاهة جديدة! يجلس الفلسطيني في رسم رقم (8) وسط متاهة وثيقة الوفاق ولا يجد رجليه ولا يديه.(8)

 

ثم يجرفنا الاقتتال الداخلي في لهيبة ورعبه، لتأتينا دعوة إلى اللقاء في مكّة المكرمة، ونذهب ونتفق، لكن الفلسطيني المقهور يتوجّس ويخشى من الغد. لا يهمه الاتفاق والتكليف الوزاري وآلات التصوير والقبلات والابتسامات والقفشات، بل إن ما يهمّه "ما بعد الاتفاق والتكليف": هل سيُرفع الحصار؟ هل انتهت ـ فعلاً ـ حرب الأخوة الأعداء ؟ هل زالت الأنانيات والصراعات الفئوية والحزبية ؟ هل وصلنا ـ فعلاً ـ إلى قناعة حقيقية بتغليب مصلحة الوطن والمواطن على كل شيئ. هذا ما يحاول الفلسطيني في الرسم رقم (9) اكتشافه ينظر هو وزوجته إلى ما أعلن عن اتفاق مكّة وكتاب التكليف، ويبحثان وراء المكتوب، وراء الوثائق والقبلات والصور، عمّا يمكن أن يبعث الاطمئنان والثقة، المهم "ما بعد التكليف" !(9)

 

ويدعم نظرته المتشائمة هذه في رسم آخر، رقم (10)، لإدراكه أن حكومة الوحدة ستواجه الصعوبات، وتوقع في طريقها العقبات "أوالعصي"... يركب الفلسطيني في عربة حكومة الوحدة الوطنية لتوصله إلى مبتخاه ! لكن العربة متوقفة معطلة وعاجزة عن التحرك بفعل ما وضع في عجلتيها من عصي ومعوقات:"قرارات اللجنة الرباعية، والموقف الأمريكي المتشدد" ونرى في هذه العصي الدولية وهي تعيق حكومة الوحدة الوطنية. (10).

رسم رقم 10

توقف الرواتب وتداعياته الاقتصادية والاجتماعية.

بعد سبعة أشهر من الصبر والانتظار، لم يستلم الموظفون سوى النذر اليسير من رواتبهم. وتحاول الحكومة تهدئة الموظفين وتسكين الوضع على أمل الانفراج، وتوقف الإضرابات والاحتجاجات المتزايدة: لكن الأمور تتفاقم وتنتشر الإضرابات والاحتجاجات المطالبة بإيجاد الحلول وتنفيذ وعود الرخاء التي قطعتها الحكومة على نفسها.

وتفشل محاولة الحكومة في استخدام العنف مع الإضرابات والاحتجاجات، خاصة مع دخول شهر رمضان، وانسداد مصادر الرزق البديلة. هنا تضطر الحكومة إلى صرف راتب عن شهر واحد للموظفين، وروّجت لذلك في وسائل الإعلام، في محاولة لتهدئة المضربين والفوز بصبرهم، إلا أن الموظف ـ المواطن، يعبر عن وعيه لهدف" التسكين ويقوم من خلال الرسم رقم (11) برقض هذه المحاولة المكشوفة.

يمسك الموظف الفلسطيني ورقة نقدية كبيرة الحجم ضئيلة القيمة وهي ما استلمه كجزء من راتبه. ويلاحظ في هذه الرسم:

الحجم الكبير للورقة النقدية التي يستلمها الموظف، رغم أن تلك الورقة الكبيرة هي من فئة العشرين شيكلاً فقط، في إشارة إلى أن ما استلمه الموظف، رغم الترويج والدعايات ـ يعادل 20% من راتبه المستحق على الحكومة، وليس أكثر من ذلك.

تبدو الورقة النقدية، وقد غطّى جزء منها فم الموظف، في إشارة إلى محاولة اسكاته ووقفه عن التظاهر والإضراب.

رسم رقم 11

ومن وحي شهر رمضان يستمد الفنان بهاء النجاري فنّه، للتعبير عن معاناة الموظفين ـ والمواطنين، ويقدم لنا في الرسم رقم (12) لوحة عائلية كُتب في أعلاها "إمساكية 2006" أسرة فلسطينية زوج وزوجة وأولاد" أمسكت أياديهم من خلاف، للدلالة على شح الحال وعجز ذات اليد... ويظهر في الرسم هلال رمضان ومئدنة المسجد، وقد أعطى الزوج والزوجة ظهريهما للصورة، في حين التفت الولد والبنت متساءلين مندهشين.(12)

رسم رقم 12

أما في الرسم رقم (13) فيستوحي الفنان فكرة المسحراتي الرمضاني ويستخدمها للتعبير عن نفاد صبر المواطن المقهور. يطوف المسحراتي الفلسطيني في رمضان 2006 وينادي للإيقاظ والتنبيه، لكن لا ينادي وينبّه المواطنين ليستعدوا لسحورهم وبدء صيامهم، بل إنه يتوجه بندائه وضربات طبلته إلى الأهم من المواطن "الصراف الآلي" ـ مصدر الرواتب وجالبها ! يضرب الطبل ويصرخ فيه "ولك إصح يا نايم، وحّد الدايم" ، لعله يفيق من سباته وشحّه ويصرف للموظف المسكين ما يحتاجه من نقود في هذا الشهر الكريم" (13)

رسم رقم 13

ويستخدم الفنان بهاء البخاري رمزية الصراف الآلي في لوحات ومواقف متعددة، متعلقة بالرواتب ومعاناة الموظفين.

وعندما تقترب الأعياد الإسلامية والمسيحية، يستعير الرسم الساخر حذاء بابا نويل الشهير، يضعه تحت الصراف الآلي ويرقبه متخفياً، لعله يعطف ويحن، ويسقط في الحذاء بعض النقود اللازمة للأعياد !

ينظر الفلسطيني في الرسم رقم (14) من النافذة الباهتة مراقباً حالماً، وقد كُتبت في أعلى الرسم عبارة" أحلام بالأعياد! لكن أحلام الموظف المسكين لم تتحقق وجاءت الأعياد ولم تحل عقدة الرواتب (14)

رسم رقم 14

وعندما يوشك عام 2006 على الانتهاء، ليبدأ عام 2007 في الدخول يرفض الفلسطيني هذه الدورية الزمنية الكونية ويصرّ الفلسطيني المسحوق على التمسك بعام 2006 ! لماذا يدخل في عام جديد ولم تتحسن أحواله ولم يستلم راتبه ؟ في الرسم رقم (15) تحاول الزوجة الفلسطينية سحب زوجها إلى العام الجديد، لكنه يقاومها رافضاً "مش قبل ما يدفعوا رواتبي! هكذا تصل الحال بالفلسطيني، رفض الاستمرار في الحياة بدون وقود الحياة ـ الراتب (15)

رسم رقم 15

وتتفاقم الأمور، ويستدين الموظف ويمدّ يده إلى الناس جميعاً. لكن، وفي لحظة ما ، يتخذ قراراً عجيباًً: قطع يديه التي يمددها للناس!

تنظر الزوجة الفلسطينية إلى زوجها الذي قطع يديه وأظهر بطانتي جيبيه على شكل يدين في الرسم رقم (16) فيرد على دهشتها واستـغرابها موضحاً سبب ما قام به "مفيش داعي أمد إيدي لأحد" (16)

رسم رقم 16

بعد الاتفاق الذي جرى بين ممثلي الحكومة وممثلي النقابات، تقرر فك الاضرابات والعودة إلى العمل. لكن الدائنين والمقرضين لا يثقون في تلك الاتففاقيات، ويقومون- هم هذه المرة- بالتظاهر. يزحفون نحو الموظف ويطالبونه في الرسم رقم (17) بديونهم ونقودهم، يرفعون لافتة كبيرة كتب عليها جزء من الآية الكريمة "وقل اعملوا" ، وفي أعلى الرسم من اليمين ظهرت عبارة " العودة إلى العمل". فالعودة إلى العمل بالنسبة للفران واللحام والبقال وصاحب السكن والخضار تعني استلام النقود فقط (17)

رسم رقم 17

وبعد تعثر محاولات جلب الأموال وفشل محاولات تسديد الرواتب نتيجة لاستمرار الحصار، يفقد الموظف الأمل، ويستسلم لليأس فيتجوّل في الشوارع مع زوجته يبيعان الصبر والمرارة. في الرسم رقم (18) يدفع الفلسطيني وزوجته عربة محملة بالصبار المر ويطوفان بها " حتى إشعار آخر"!(18)

رسم رقم 18

لا شك أن هناك العديد من الرسوم التي تناولت قضية الرواتب وما نتج عنها من معاناة لكننا نعتقد أن، ما عرضناه يمثل أبرز مستويات التفاعل، التي ما زالت تأثيراتها تسري في جسد المجتمع الفلسطيني.

الاقتتال الداخلي:

الملاحظة المهمة التي يكتشفها المتابع للرسوم الساخرة المنشورة في الصحف الفلسطينية الرئيسية، أن الفنانين والإعلاميين، عزفوا عن الانزلاق إلى الاصطفاف الحزبي والفئوي، خلال المرحلة العصبية التي تقاذفت الشعب الفلسطيني وبنيته ومؤسساته، وأهدرت دماءه ! وهذا ما يفسر ندرة الرسوم الساخرة المعبرة عن الاقتتال الداخلي رغم شراسته ووصوله إلى قدر كبير من البشاعة !

تأتي تعبيرات ومضامين الرسوم الساخرة المتعلقة بهذا الموضوع ساخطة ومحتجة على الجميع، دون تحديد، فالجميع مخطئون!

في الرسم رقم (19) تطلق الكف الفلسطينية الملطخة بدمها الفلسطيني، صرخة احتجاج حمراء صاخبة "كفاية" كفى دماء وكفى قتلاً للنفس. (19)

رسم رقم 19

وقد جاء هذا الرسم بعد الاشتباكات المؤسفة التي جرت في مدينة رفح، في يومي الأحد والاثنين 1-2/10/2006م والتي راح ضحيتها عدد من القتلى والمصابين إلا أن تلك الاشتباكات كانت بداية الانزلاق إلى أتون اللهيب، فقد استأنفت في أماكن أخرى بدموية أكثر وتطور الأمر إلى اقتحام المنازل ومحاصرة المساجد وتدمير الجامعات والمقرّات الأمنية والمؤسسات، ثم تبادل الخطف على الهوية!!

أما الرسم رقم (20) فيعرض علينا تشخيصاً واعياً لهذه الفتنة، حيث يصوّر الفن اليد الفلسطينية الممسكة بالسلاح لتطلق الرصاص، وكأنها تضغط في الوقت نفسه على موسي حادة (شفرة)، في إشارة إلى أن من يطلق الرصاص على أخيه، فإنه يطلق النار في الحقيقة على نفسه، أو يقطع يده بيده!

رسم رقم 20

ويذكرني الرسمان السابقان بأبيات من الشعر الجاهلي قالها المتلمس الضبعي مصوراً موقفه وإحساسه وهو يقتص ويقتل أخواله ـ وليس م أشقاءه!

وما كنت إلا مثل قاطع كفّه                            بكف له أخرى فأصبح أجذما

يداه أصابت هذه حتف هذه                            فلم تجد الأخرى عليها مقدما

فلمّا استقاد الكفّ بالكفّ لم يجد                        له دركاً في أن تبينا فأحجما

لقد أحجم المتلمس عن القصاص والثأر من أخواله، لأنه كان سيثأر من نفسه، لكننا ـ وللأسف الشديد ـ لم نقتدي به، بل أقدمنا على قتل أنفسنا- وقطع أيدينا بأيدينا!

ثانيا: التطورات والأحداث الإقليمية والدولية

المواقف والتداعيات العربية:

من الطبيعي أن يرصد الفنان الفلسطيني المواقف العربية وأثرها على همومه وقضاياه، خاصة أن الفلسطيني لا يفصل بين همومه الوطنية والقومية. ويراوده طموح دائم في أن يكون الأشقاء العرب على نفس المسافة القومية.

ونستطيع حصر القضايا القومية التي تفاعل معها الرسم الصحفي الساخر في:

 موقف الأنظمة العربية في مجلس الأمن.

موقف الحكومات العربية من الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني.

تداعيات الوضع اللبناني.

 أحداث الصومال.

موقف الأنظمة العربية في مجلس الأمن:

في الرسم رقم (21) يُقْدم الفنان بهاء البخاري على محاولة إعادة التوازن لمجلس الأمن، بمؤازرة الأشقاء العرب، اثنان من الأشقاء العرب، بحجم صغير، يربطان مبنى ضخم (مبنى الأمم المتحدة) ويحاولان إعادته إلى وضع الاستقامة، لكن المبنى الضخم، الذي كُتب أعلاه (U.N) لا يستجيب ويبقى مائلاً معوجاً (منحازاً)! وتفشل " المحاولة العربية " ، والناظر إلى الرسم يدرك أن المحاولة ستبوء بالفشل، فالمبنى الضخم الكبير، وحجم العربيين العالقين في الحبال ينبئ بذلك!

رسم رقم 21

وتستخدم الولايات المتحدة الأمريكية حق النقض (الفيتو) لمنع إدانة إسرائيل، إثر ارتكابها مجزرة بيت حانون. فيأتي الرد العربي والموقف العربي حاسماً ورادعاً للموقف الأمريكي المنحاز، كما يظهره الرسم رقم (22) في أعلى اللوحة عنوان "حاسم على الفيتو" وتتصاعد إليه مجموعة من البالونات الزرقاء الجميلة! ويبدو العربي بكوفيته وشاربه الكبير حاسماً وهو يطلق هذه البالونات!(22)

رسم رقم 22

 

موقف الحكومات العربية من الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني:

عبّر الفنان المواطن الفلسطيني عن امتعاضه واستنكاره لمواقف الأنظمة العربية من الحصار الظالم المفروض على الشعب الفلسطيني، بل وسخر من هذه المواقف ومن البيانات والتصريحات الصادرة في هذا الخصوص. في الرسم رقم (23) يظهر المواطن الفلسطيني واقفاً أمام الصراف الآلي! في انتظار راتبه! وعند فتحة الصراف وضعت صحيفة عربية برز عنوانها الرئيس " الدول العربية تقرر كسر الحصار"!(23)

رسم رقم 23

وفي الرسم رقم (24) يتساءل الفلسطيني عن معنى التضامن مع الشعب الفلسطيني، الذي يوافق يوم 29/11 من كل عام. وتحت لافتة كُتب عليها " اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني" وبجوار مجموعة أكياس تحوى بعض الحبوب والبقوليات، يجيب الزوج زوجته بسؤال "فين هوه التضامن"! إنه لا يرى تضامناً، بل كل ما يراه حفنات من الحبوب والبقول والسكر! لقد تّحولت قضية الشعب الفلسطيني إلى مجرد إغاثة إنسانية ببعض ما يسدّ الرمق من الدقيق والسكر، وهذا هو التضامن العربي! (24)

رسم رقم 24

وفي الرسم رقم (25) تقلّد المرأة الفلسطينية أحدى القنوات الفضائية وهي تتحدث عن المساعدات العربية السخيّة، لتغري زوجها بها! ومن المعروف أن قناة "روتانا الفضائية" تعلن لبرامجها بقولها "مع روتانا سينما مش حتقدر تغمّض عينيك " ، فتقلدها الزوجة الفلسطينية " مع المساعدات العربية مش حتقدر تغمض عينيك" لكن زوجها، المندهش من قولها، يحملق بعينيه المفتوحتين ليس تأثراً بالمساعدات السخية، بل من الحيرة والأرق والهم الذي يتقل كاهله، ويطرد النوم من عينيه (25)

 

رسم رقم 25

ويصل الرسم الساخر إلى أمين الجامعة العربية، الذي ينطق بالحكمة العربية الخالدة! ففي رسم رقم (26) يرفع السيد عمرو موسى يديه مسلماً ناطقاً بالحكمة العربية "لا حول ولا قوة" وفي أعلى اللوحة من اليمين كتبت عبارة "حكمة عربية" وذلك في إشارة إلى عجز الجامعة العربية عن فعل أي شئ لفك الحصار عن الشعب الفلسطيني أو إنقاذه! (26)

رسم رقم 26

 

تداعيات الوضع اللبناني:

جاء التعبير عن تداعيات الوضع اللبناني في ثلاثة رسوم ساخرة، الأول: الرسم رقم (27) صوّر لبنان كلّه جالساً فوق علبة كبريت، أشرعت عيدانها للاشتعال، وكُتبت في أعلى اللوحة عبارة محذرة " على كف كبريت" (27)

رسم رقم 27

والرسم الثاني، رسم رقم (28) يصور شجرة الأرز اللبنانية كأنها إنسان مصلوب، وتبدو في ظهره آثار الدماء والاغتيالات، وفي أعلى اللوحة نقرأ "مسلسل الاغتيالات في لبنان" (28)

رسم رقم 28

أما الرسم الثالث، رقم (29)، فسيتوحي من تصريحات السيد عمرو موسى أمين الجامعة العربية، عندما تعقدت الأمور في لبنان ووصل الحوار إلى طريق مسدود. يظهر السيد عمرو موسى في اللوحة وهو يتحدث في مؤتمر صحفي وفي الجانب الأيسر من اللوحة تظهر الشياطين، وفوقها كُتبت كلمة "التفاصيل"، وذلك استناداً إلى قوله " في التفاصيل تكمن الشياطين". (29)

رسم رقم 29

أحداث الصومال:

عبّرت أحداث الصومال عن نفسها في لوحة واحدة طريفة ومتميزة بل أزعم أنها من أطرف الرسوم الساخرة التي عُنيت بهذا الموضوع. ويظهر الرسم رقم (30) واعيا بالدور الأمريكي في أحداث الصومال، وإن اختفت مظاهر التدخل العسكري في هذا البلد الفقير المتهالك .

يقدم لنا الفنان بهاء البخاري أصبعاً من  الموز الصومالي وقد قشّر حتى نصفه، ليبرز من داخله العلم الأمريكي، وفي أعلى اللوحة البديعة كُتبت عبارة "موز صومالي مقشّر في مقديشو" (30)

رسم رقم 30

الأحداث والمواقف الدولية:

رغم مرارة الواقع الفلسطيني وتدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية والاجتماعية في الأرض المحتلة، إلا أن الفنان الفلسطيني لم يجد غضاضة في التفاعل، برسومه الساخرة، مع الأحداث والتفاعلات الدولية، خاصة تلك التي ترتبط بقضيته وتؤثر فيها.

في أول رسم يعنى في هذا الجانب، يكون وعد بلفور قل حّل بذكراه المشئومة المريرة، فيتذكر الفلسطيني في الرسم رقم (31) سبب شقائه ومصائبه وتحت عبارة "شقاء فلسطين" يقّدم الرسم "بلفور" صاحب الوعد المشئوم بملامح باهتة شريرة محاطاً بأسلاك دامية، ملخصاً معاناة شعبنا جراء وعده، طوال ما يقرب من تسعين عاما! وهو الوعد الذي منحه من لا يملك لمن لا يستحق! (31)

رسم رقم 31

أما في الرسم رقم (32) فإنه يتّوجه إلى اللجنة الرباعية، يدين صمتها وتجاهلها للمجازر التي ارتكبها جيش الاحتلال الصهيوني في بلدة بيت حانون. يعرض الرسم بلدة فلسطينية مدمرة محترقة تفوح منها روائح الموت والخراب، ويقف الفلسطيني وسط هذا كله فتسأله زوجته في مرارة "إيش يعني اللجنة الرباعية؟" ويجيبها الزوج بسخرية موجعة "لاترى، لا تسمع ، لا تتكلم، لا تتحرك"! ويشير الفنان بطريقة غير مباشرة إلى الإدانات والاحتجاجات التي تصدرها اللجنة الرباعية، عندما يصاب صهيوني واحد، أو تحدث عملية فدائية ضد قوات الاحتلال، أما هنا أمام هذه المجزرة الرهيبة، فاللجنة لا ترى ولا تسمع ولا تتكلم ولا تتحرك ! (32)

رسم رقم 3

وعندما تستخدم الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) لإبطال مشروع إدانة دولة الاحتلال، جراء مجازرها في بيت حانون، يعرض الرسم الساخر رقم (33) فكرته في لوحة تتوسطها كلمة "فيتو" بحروفها الإنجليزية، لكنها تنتهي بنجمة داود وقد خرج منها تمثال الحرية الأمريكي. في سخرية واضحة من تناقض المواقف الأمريكية والكيل بمكيالين، بل والانحياز الكامل والحاسم للعدو الإسرائيلي، وعدم السماح للاقتراب منه ، حتى بالإدانة.. (33)

رسم رقم 33

وتتناثر في الأجواء الدولية أحاديث عن مبادرة أسبانية لعقد مؤتمر دولي للسلام، ألا أن الرسم الساخر لا يثق في مثل هذه الأحاديث والطروحات، لأن الفنان - والمواطن الفلسطيني- يدرك الدور الأمريكي في عرقلة عملية السلام ويعرف التعنّت الإسرائيلي وعدم استعداده للسلام الحقيقي ويستوحي بهاء البخاري فكرته من مصارعة الثيران الاسبانية فيقدم الرسم رقم (34). حمامة السلام وهي تصارع الراية الأسبانية الحمراء، وفي أعلى اللوحة كُتبت عبارة "أسبانيا ترعى عملية السلام"! والغريب أن  الرعاية الإسبانية تأتي بمصارعة الحمامة الوديعة فأي سلام يمكن إنجازه من هذه المصارعة؟ لا شك أن السلام سيطير أو يقضى نحبه في أسبانيا! (34)

رسم رقم 34

ويعود بهاء البخاري لاستخدام رمزية الحمامة في اللوحة رقم (35) ويعرض لنا حمامتي سلام تحطّان على خارطة الطريق. وقد وضعت الخارطة على الجدار العنصري العازل. وتتساءل إحدى الحمامتين في استغراب "الخارطة مفيهاش جدار"، لكن الجدار يتلّوى ويبرز واضحاً تحت الخريطة نفسها،وهي إشارة إلى خبث المخططات والنوايا الأمريكية والإسرائيلية! (35)

رسم رقم 35

 

ويعود الفنان إلى أسبانيا في الرسم رقم (36) ويعرض أطروحات السلام الأسبانية، لكنه يقدمها هذه المرة في لوحة أسبانية بامتياز: راية حمراء وثور ومصارعة أسبانية مثيرة. وفي وسط هذه اللوحة الرياضية الأسبانية تبرز عبارة (مدريد + 15) في إشارة إلى تعدد مؤتمرات مدريد دون تحقيق آية نتيجة، إنه صراع أسباني صعب! (36)

رسم رقم 36

 

وآخر الرسوم التي عُنيت واهتمت بمتابعته الشئون والقضايا الدولية كان من نصيب الرئيس الأمريكي جورج بوش، تعليقاً على سياسته وجرائمه في العراق الشقيق. يلتقط الفنان بهاء البخاري تصريحات بوش عن تحقيق الانتصارات والنجاحات في العراق ويقدم لوحة يظهر فيها بوش مستلقياً على بطنه ممسكاً بآلة حاسبة، يحصى بها عدداً كبيراً من الجماجم العراقية وفي أعلى الرسم رقم (37) برزت عبارة "يعدد نجاحاته"، إذن هذه هي نجاحات وانتصارات بوش التي يباهي بها قتل مئات الآلاف من العراقيين (37)

رسم رقم 37

العلاقة مع الاحتلال الصهيوني

تبرز الرسوم الساخرة العلاقة مع الاحتلال من خلال:

تصوير المجازر والاجتياحات.

النظرة إلى التهدئة والانسحابات المزعومة,

المجازر والاجتياحات:

في بداية شهر نوفمبر 2006، قام الجيش الإسرائيلي بحصار بلدة بيت حانون، ثم ارتكب مجزرة مروعة دامية في هذه البلدة الصغيرة، وقد استمر حصار البلدة لأكثر من أسبوعين وراح ضحية المجزرة أكثر من ثلاثين شهيداً، وحوالي ثمانين مصاباً، عدا تدمير البني  التحتية والمنازل والمسجد الأثري بالبلدة، والحواكير والمزروعات، وقد تجاوز الجيش الإسرائيلي كل الحدود عندما وجه صواريخه ومدافعه وقصف منازل المواطنين الآمنين من عائلة العثامنة، وقتل أسرة بكاملها مكونة من ثمانية عشر شخصا، منهم عشرة من الأطفال، قطعهم أشلاء وألصق لحومهم على الجدران وخلطها بتراب الشوارع والحواكير!

يبدأ الفنان والرسم الساخر مع حصار البلدة (لم تكن المجزرة قد وقعت). وتكون سحب الخريف السوداء المنذرة بالشر والموت!

في الرسم (38) تظهر الغيوم السوداء فوق البلدة الآمنة على صورة شيطان الموت، وعند لافتة كتب عليها اسم البلدة وقف عصفور صغير وديع يراقب هذه الغيوم الشريرة المشئومة، وفي أعلى اللوحة إلى اليمين نقرأ عبارة " غيوم الخريف"(38)

رسم رقم 38

أما في الرسم رقم (39) فيحرضنا على الصمود والتمسك بالمقاومة بعد تدمير البلدة المسكينة " كل ما هدموا قلعة بنرجع نبنيها"! هذا ما يقوله الفلسطيني وهو يستعرض الدمار والصور البشعة التي يرتكبها الاحتلال (39).

رسم رقم 39

لكن الفنان يعود بعد قتل الأسرة والأطفال الأبرياء إلى تزويدنا بلوحة رمزية معبرة.

في الرسم رقم (40) نرى شواهد القبور وقد تحولت إلى قذائف تنطلق نحو المحتلين المجرمين! إن التدمير وسفك الدماء لن يثنينا عن مواصلة المقاومة، بل يزيدنا إصراراً عليها، وهذه أرواحنا وأرواح شهدائنا تقاوم وتقذف وتطارد المحتلين (40)

رسم رقم 40

ونذكر هنا، أن أصداء مجزرة بيت حانون ترددت في رسوم أخرى متداخلة مع بعض القضايا والتداعيات المختلفة، والتي أشرنا إلى بعضها في حينه**.

أما اجتياح مدينة رام الله الفاشل، فقد عبر عنه الرسم الساخر بفنية ورمزية عالية. ولا بد من الإشارة إلى أن ذلك الاجتياح قد بدأ بتسلل القوات الخاصة الإسرائيلية، أو ما يسمى وحدة المستعربين في سيارات وملابس مدنية لاعتقال مجموعة من المناضلين ( المطلوبين) لكن العيون الفلسطينية الساهرة واليقظة كشفتهم وحاصرتهم وتمكّن المناضلون من الفرار مما دعا هذه القوة المتسللة إلى طلب النجدة وتعزيزها، لتتحول المهمة إلى اجتياح كامل للمدينة لتغطية الفشل الذريع الذي كشفته وسائل الإعلام في حينه تصور اللوحة المتعلقة بهذا الاجتياح عددً كبيراً من العيون الفلسطينية المتيقظة تحاصر دبابة صهيونية وتشل حركتها وتبقيها في مكانها.

 

 

إن الرسم رقم (41) دعوة واضحة لليقظة الأمنية الوطنية وإشارة إلى فشل الاحتلال في مهمته وقد أحبطت اليقظة الفلسطينية والمؤازرة الشعبية للمناضلين محاولات الجيش الإسرائيلي أكثر من مرة وفي أكثر من موقع(41).

رسم رقم 41

التهدئة والانسحابات المزعومة:

بعد الانسحاب الإسرائيلي الجزئي من قطاع غزة، تم إبرام اتفاقية هدنة بين السلطة الفلسطينية  والقوات الإسرائيلية، وساد الهدوء النسبي في قطاع غزة، لكن القوات الإسرائيلية استغلت هذه الهدوء وأقدمت على اجتياح مدن وبلدات الضفة الغربية ثم خرقت الهدنة في قطاع غزة نفسه أكثر من مرة، ووجدت الفصائل الإسلامية والوطنية نفسها وقد حشرت في موقف حرج أمام شعبها، خاصة أن الجماهير الفلسطينية أعلنت رفضها وسخطها تلك المواقف (الوطنية) الهزيلة! وأمام هذه المعادلة يقرأ الفنان رأي الأطفال الفلسطينيين ويقدمه في لوحة بسيطة ومعبرة إن الأطفال في الرسم رقم (42) يفهمون التهدئة بطريقتهم بل ويحددون شروطها، يجلس طفلان فلسطينيان على حاجز خشبي في استراحة قصيرة، وبجوار الطفل على الحاجز تظهر أنشوطة (نقّافة - شدّيدة) يقذف بها الأطفال جنود الاحتلال بالحجارة، جاهزة للاستخدام وتقرأ الطفلة عنوانا بارزا " التهدئة" فيعلق الطفل بثقة ووضوح " نلتزم إذا التزموا"! هكذا يلخص الفن الرأي الجماهيري، لا التزام بالتهدئة إذا لم يلتزم العدو الإسرائيلي ويوقف اعتداءاته واجتياحاته ومجازره. (24)

رسم رقم 42

أما الانسحابات المزعومة والحديث عنها فلا ثقة فيه، وتدرك ذلك الأسرة الفلسطينية التي أصبحت خبيرة بالخداع والكذب الإسرائيلي.

في الرسم رقم (43) تخبر الزوجة زوجها أن هناك حديثا عن انسحابات فيعلق بسخرية (واسعةمع إشارة بيديه إلى القدر الذي تتمتع به إسرائيل من كذب ودهاء وخداع (43).

رسم رقم 43

أما التسهيلات المزعومة أيضا فيفضحها الجدار العازل، الذي تختفي خلفه شجرة عيد الميلاد في الرسم رقم (44)، حيث يطل الفلسطيني المقهور من وراء جدار الفصل العنصري العازل، ويرمق شجرة عيد الميلاد، ولا يستطيع الوصول إليها، وفي أعلى اللوحة نقرأ " تسهيلات الأعياد"!! أين هذه التسهيلات مع هذا الجدار والحصار؟ والحواجز والإغلاقات، لم يتمكن المواطن الفلسطيني من التحرك في الأعياد وحرم من حقه الطبيعي في ممارسة طقوسه الدينية والقيام بواجباته الاجتماعية في مثل هذه المناسبات! إذن هي كذبة ( التسهيلات) ولا يصدقها أولئك الذين يقهرون يوميا على الحواجز والجدران العازلة (44)

 

رسم رقم 44
خلاصة

-           لقد برز تركيز الرسوم الساخرة على قضية وقف الرواتب وتداعياتها،-          وجاء ذلك نابعاً من إدراك الفنان لآثار ذلك الوقف: الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والأمنية. لقد أدّى وقف الرواتب وتفشى البطالة والفقر إلى نشوء عدد من الجرائم والسلبيات في المجتمع الفلسطيني،-           وإذا كانت الرسوم الساخرة لم ترصدها وتشير إليها،- فهي تشملها بالتركيز على قضية الرواتب وتداعياتها،-     لقد زادت معدلات الجريمة والسرقات والسطو وازدادت حالات الإدمان ونزح عدد كبير من الشباب وغادروا الوطن،-            وتفشّت ظاهرة التسوّل والغش!! فهل يشير الفنان برسومه إلى هذا كله؟ لقد عزف عن ذلك رأفة بالمجتمع المثقل بأوجاعه واكتفى بالتركيز على قطع الرواتب،-    وعلى الجميع أن يفهم ما وراء الأكمة!.

-           أهملت الرسوم الساخرة الفلتان الأمني بشقيه الفصائلي والعشائري،انطلاقاً من حساسية هذه الظاهرة وخشية من ردود الأفعال التي قد تنجم عن تناولها والإشارة إليها. ورغم أنه ليس من طبيعة الفن الخوض في التفاصيل وجزيئات القضايا،-           ألا أن احتمالات رد الفعل (المعاقبة - الردع) كانت - في تقديري - السبب الأبرز في عدم تناول هذه الظاهرة،-     رغم أنها من أوجاع ومصائب المجتمع الفلسطيني الكبيرة!!

-           لم تشر الرسوم الساخرة أو تحدد دولاً أو حكومات بعينها كما فعلت مع الفصائل والأحزاب الفلسطينية إلا في حالتين: الولايات المتحدة الأمريكية ودولة الاحتلال الإسرائيلية،- عدا ذلك فإن الإشارات والدلالات ظّلت عامة وغير محددة،-           حتى عندما تعرّضت الرسوم إلى الوضع اللبناني،-            لم تصطف مع فريق دون آخر،-        لقد حذّرت وتوجّست من الجميع وعلى الجميع، خشيت على لبنان ( كل لبنان) العزيز على قلوب الفلسطينية.

-           وفي الختام،-         إن استعراض الرسوم الصحفية الساخرة المنشورة في صحيفة الأيام الفلسطينية،-         خلال الفترة من 20/9/2006 إلى 20/2/2007 يظهر بجلاء تعبير تلك الرسوم عن هواجس وأفكار قطاع كبير من الشعب الفلسطيني،-          بل إن عرض الرسوم ومتابعتها مع شرائح المتعلمين والمثقفين والأكاديميين،-       أظهرت التفاعل والتجاوب مع أطروحاتها ورسائلها مما يشّكل تكويناً وتبلوراً لرأي ساخط فاعل،- أسهمت في صنعه الرسوم بدلالاتها ومضامينها الجريئة،-    ويدعم ذلك المقالات المنشورة في الصحيفة نفسها،-         وفي غيرها من الصحف الفلسطينية،كذلك يدعمه العدد الكبير من اللقاءات والمحاضرات التي عقدتها الجماعات والمؤسسات الأهلية الفلسطينية للغرض نفسه. الأمر الذي يدلل على أهمية هذه الرسوم ودورها في تشكيل الوعي الفلسطيني في مرحلة دقيقة من مراحل الصراع الفلسطيني الداخلي والخارجي.

أ.د. علي محمد عودة

جامعة القدس المفتوحة


الهوامش

* الفنان بهاء البخاري من مواليد مدينة القدس في عام 1944، عمل في صحف الكويت وليبيا وتونس وفلسطين/ صدر له كتاب في عام 1985 بعنوان " كاريكاتير البخاري" بالكويت! أقام العديد من المعارض في الكويت وأثينا ودمشق وبغداد وطرابلس والجزائر ومكسيكو وفلسطين! يعمل منذ عام 1999 بصحيفة الأيام ( فلسطين)..

** انظر على سبيل المثال الرسمين 32 و33 المتعلقين بموقف اللجنة الرباعية واستخدام الفيتو الأمريكي.

انظر الرسم رقم (1) صحيفة الأيام ( فلسطين / رام الله) العدد 3874- الثلاثاء 31/10/2006 ( الصفحة الأخيرة)

1.        

الأيام/ السبت/ العدد 3899-25/11/2006

2.        

الأيام/ الأحد/ العدد 3893 - 19/11/2006

3.        

الأيام/ السبت/ العدد 3906 - 2/12/2006

4.        

الأيام/ الاثنين/ العدد 3922 - 18/12/2006

5.        

الأيام/ الثلاثاء/ العدد 3923 -  19/12/2006

6.        

الأيام/ الأحد/ العدد 3953 - 21/1/2007

7.        

الأيام/ السبت/ العدد 3959 -  27/1/2007

8.        

الأيام/ السبت/ العدد 3980 -  17/2/2007

9.        

الأيام/ الخميس/ العدد 3985 - 22/2/2007

10.      

الأيام/ الأربعاء/ العدد 3835 - 20/9/2006

11.      

الأيام/ الاثنين/ العدد 3840 - 25/9/2006

12.      

الأيام/ الثلاثاء/ العدد 3841 - 26/9/2006

13.      

الأيام/ الجمعة/ العدد 3926 - 22/12/2006

14.      

الأيام/ الأربعاء/ العدد 3935 -  3/1/2007

15.      

الأيام/ الاثنين/ العدد 3940 - 9/1/2007

16.      

الأيام/ الاثنين/ العدد 3947 - 15/1/2007

17.      

الأيام/ الجمعة/ العدد 3951 - 19/1/2007

18.      

الأيام/ الثلاثاء/ العدد 3848 - 3/10/2006

19.      

الأيام/ الأحد/ العدد 3960 - 28/1/2007

20.      

الأيام/ الجمعة/ العدد 3837 - 22/9/2006

21.      

الأيام/ الاثنين/ العدد 3887 - 13/11/2006

22.      

الأيام/ الثلاثاء/ العدد 3888 - 14/11/2006

23.      

الأيام/ الخميس/ العدد 3904 - 30/11/2006

24.      

الأيام/ الاثنين/ العدد 3908 - 4/12/2006

25.      

 الأيام/ السبت/ العدد 3920 - 16/12/2006

26.      

 الأيام/ الاثنين/ العدد 3894 - 20/11/2006

27.      

الأيام/ الأربعاء/ العدد 3896 - 22/11/2006

28.      

الأيام/ السبت/ العدد 3927 - 23/12/2006

29.      

الأيام/ الجمعة/ العدد 3933 - 29/12/2006

30.      

الأيام/ الجمعة/ العدد 3877 - 3/11/2006

31.      

الأيام/ الأربعاء/ العدد 3882 - 8/11/2006

32.      

الأيام/ الأحد/ العدد 3886 - 12/11/2006

33.      

الأيام/ الجمعة/ العدد 3891 - 17/11/2006

34.      

الأيام/ الأربعاء/ العدد 3903 - 29/11/2006

35.      

الأيام/ الأحد/ العدد 3946 - 14/1/2007

36.      

الأيام/ الثلاثاء/ العدد 3955 - 23/1/2007

37.      

الأيام/ السبت/ العدد 3878 - 4/11/2006

38.      

الأيام/ الأحد/ العدد 3878 - 5/11/2006

39.      

الأيام/ الخميس/ العدد 3883 - 9/11/2006

40.      

الأيام/ الجمعة/ العدد 3937 - 5/1/2007

41.      

الأيام/ الأحد/ العدد 3902  - 26/11/2006

42.      

الأيام/ الثلاثاء/ العدد 3902 - 28/11/2006

43.      

الأيام/ الثلاثاء/ العدد 3930 - 26/12/2006

44.      

 

 

لتحميل الملف

 

بحث مقدم في مؤتمر فيلادلفيا الدولي الثاني عشر "ثقافة الصورة في الإتصال و الفنون" - الأردن

تم نشر الموضوع بعد أخذ الإذن من صاحبه

 

تاريخ النشر: 28 تشرين الثاني (11) 2007

 

copyright ArabCartoon 2005 - 2006